
صدى نيوز - قد يتمكن نجم ضخم في مراحله الأخيرة من تجنب مصيره التقليدي كثقب أسود عبر تكوين "كون صغير جديد" داخل مادته المنهارة، وفقاً لطرح نظري جديد قد يفتح آفاقاً غير مسبوقة لفهم طبيعة الثقوب السوداء ونهاية النجوم العملاقة.
وتنتج النجوم الضخمة الضوء والحرارة من خلال تفاعلات الاندماج النووي في أنويتها، وهي عملية تطلق كميات هائلة من الطاقة تخلق ضغطاً يعاكس قوة الجاذبية. لكن هذا التوازن لا يستمر إلى الأبد، إذ ينفد الوقود النووي في نهاية حياة النجم، فيضعف الضغط الخارجي الناتج عن الإشعاع تدريجياً، لتبدأ الجاذبية بالتغلب عليه.
وعندما يحدث ذلك، يبدأ النجم بالانهيار تحت تأثير كتلته الهائلة، وهو انهيار يُفترض نظرياً أن يستمر حتى تنضغط المادة إلى نقطة متناهية الصغر وعالية الكثافة تُعرف باسم "التفرد"، وهي الحالة المرتبطة بتشكل الثقوب السوداء.
لكن الثقوب السوداء، رغم قبولها على نطاق واسع في المجتمع العلمي، لا تزال تثير أسئلة جوهرية لم تجد الفيزياء الحديثة إجابات نهائية عنها بحسب ما نشره موقع Science Daily. فكيف يمكن ضغط كتلة تعادل مليارات الشموس في نقطة متناهية الصغر؟ وكيف يمكن للزمكان أن ينحني إلى ما لا نهاية عند نقطة التفرد؟
كما تطرح الثقوب السوداء تحدياً إضافياً يتمثل في أفق الحدث، وهو الحد الذي لا يمكن لأي مادة أو إشعاع أو معلومة تجاوزه والعودة منه، بما في ذلك الضوء نفسه، الأمر الذي يجعل دراسة ما يجري داخلها شبه مستحيلة.
وبسبب هذه الأسئلة العالقة، اتجه بعض الباحثين إلى دراسة فرضيات بديلة تفترض أن بعض الأجسام المصنفة على أنها ثقوب سوداء قد تكون في الواقع نوعاً مختلفاً من الأجرام الكونية يُعرف باسم "النجوم الثقالية".
وتشبه النجوم الثقالية الثقوب السوداء من حيث الكتلة والكثافة الهائلتين، ما يجعل التمييز بينهما صعباً للغاية من الناحية الرصدية. إلا أنها تختلف عنها في نقطة جوهرية، إذ لا تحتوي على تفرد أو أفق حدث. وبدلاً من ذلك، تفترض النظرية أنها تضم في داخلها طاقة مظلمة تقع أسفل طبقاتها الخارجية المكونة من المادة العادية.
فيما يُعتقد أن هذه الطاقة المظلمة تولد ضغطاً متجهاً إلى الخارج يعاكس قوة الجاذبية ويمنع الانهيار الكامل للنجم. ولهذا السبب يرى عدد من الفيزيائيين أن النجوم الثقالية تمثل بديلاً نظرياً جذاباً للثقوب السوداء، لأنها تتجنب العديد من الإشكاليات المفاهيمية المرتبطة بها.
رغم ذلك، ظل سؤال أساسي مطروحاً لعقود: كيف يمكن أن تتشكل النجوم الثقالية من الأساس؟
وفي محاولة للإجابة عن هذا التساؤل، قدم الفيزيائيان النظريان دانيال جامبولسكي والبروفيسور لوتشيانو ريزولا ما وصفاه بأنه أول حل ديناميكي لمعادلات النسبية العامة لألبرت أينشتاين يشرح كيفية تشكل نجم ثقالي نتيجة انهيار نجم ضخم.
ووفقاً للدراسة، فإن الانهيار النجمي قد يؤدي إلى ولادة كون مصغر داخل المادة المنهارة نفسها. ويشير الباحثان إلى أن هذا الكون الناشئ لن يختلف كثيراً عن المراحل الأولى للكون المعروف، إذ سيتشكل عبر عملية شبيهة بالانفجار العظيم، بينما تتولى الطاقة المظلمة دفع عملية توسعه.
ومع تمدد هذا الكون الداخلي، تنشأ قوة ضغط متجهة إلى الخارج تقاوم الجاذبية التي تدفع المادة نحو الداخل. ويمكن لهذا الضغط المعاكس أن يوقف عملية الانهيار قبل الوصول إلى مرحلة تشكل الثقب الأسود.
وينتج عن ذلك توازن مستقر بين المادة النجمية المنهارة والكون الداخلي الآخذ في التوسع، وهو التوازن الذي يؤدي، بحسب النموذج الجديد، إلى نشوء النجم الثقالي.
سؤال ناقشه العلماء لـ 25 عاماً
هذا ويؤكد الباحثان أن هذا الحل يقدم أول تفسير متكامل لسؤال ناقشه العلماء على مدى نحو 25 عاماً حول الكيفية التي يمكن أن تنشأ بها النجوم الثقالية من انهيار المادة العادية.
إذ قال دانيال جامبولسكي، الذي طور هذا النموذج خلال إعداد أطروحة الماجستير تحت إشراف لوتشيانو ريزولا: "يمكن أن يحدث الانفجار العظيم للكون الناشئ بمجرد أن ينهار النجم تقريباً إلى درجة التحول إلى ثقب أسود".
كما أضاف أن سلوك المادة عند هذه الكثافات الهائلة لا يزال غير مفهوم بشكل كامل، ما يفتح المجال أمام اكتشاف ظواهر فيزيائية جديدة. وأوضح قائلاً: "من الأسهل تصور أن الانفجار العظيم لا يحدث إلا في مرحلة متأخرة جداً، عندما تكون المادة قد انضغطت بالفعل إلى درجة قصوى، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور تأثيرات فيزيائية جديدة".
من جانبه، شدد ريزولا، أستاذ الفيزياء الفلكية النظرية في جامعة غوته، على أن دراسة البدائل النظرية لا تعني التشكيك في وجود الثقوب السوداء، مؤكداً أنها لا تزال تمثل التفسير الأبسط والأكثر طبيعية لمصير الانهيار الجذبي للنجوم الضخمة.
وأضاف أن من الضروري الحفاظ على نهج علمي منفتح تجاه القضايا التي لم تُحسم بعد، من خلال استكشاف التفسيرات التقليدية والفرضيات غير المألوفة على حد سواء، مشيراً إلى أن تاريخ العلم يبرهن مراراً على أن بعض الأفكار التي بدت غريبة في البداية تحولت لاحقاً إلى نظريات مقبولة على نطاق واسع.