تقرير صدى نيوز: في سياق الإجراءات القانونية المستمرة في أروقة محكمة العدل الدولية بـ لاهاي، وافقت المحكمة رسمياً في مايو 2026 على طلب تقدمت به جمهورية جنوب أفريقيا لمنحها مهلة زمنية لا تقل عن 18 شهراً لتقديم ردها المكتوب المكمّل في القضية المرفوعة ضد إسرائيل بتهمة ارتكاب إبادة جماعية مرتبطة بالحرب على قطاع غزة منذ عام 2023. وجاء هذا الطلب كخطوة إجرائية معتادة بعد أن قدمت إسرائيل في منتصف مارس 2026 مذكرتها الدفاعية المضادة، والتي كانت ضخمة جداً وتجاوزت 1000 صفحة، بالإضافة إلى نحو 4000 صفحة من الملاحق والوثائق الاستدلالية. ونظراً لحجم هذه الوثائق والتعقيد البالغ للتفاصيل القانونية والميدانية، طلبت جنوب أفريقيا هذا الوقت الإضافي ليتسنى لفريقها القانوني تفنيد الدفاع الإسرائيلي بشكل دقيق، وتقديم أدلة إضافية ومحدثة تشمل كافة التطورات على الأرض، حيث تم اعتماد القرار رسمياً بناءً على اجتماع عقد في 29 أبريل بين رئاسة المحكمة والطرفين.

وبناءً على هذا الطلب، أصدرت المحكمة جدولاً زمنياً جديداً حددت بموجبه المواعيد النهائية للجولة الثانية من الردود المكتوبة، حيث منحت جنوب أفريقيا حتى 22 نوفمبر 2027 لتقديم ردها المكتوب، بينما حُدد تاريخ 22 مايو 2029 كموعد نهائي تلتزم فيه إسرائيل بتقديم تعقيبها المكتوب الأخير.

سر آخر محتمل وراء هذا التأجيل..

وفي سياق قراءة هذه المهل الزمنية، كشف تقرير لصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية ترجمته صدى نيوز، عن أبعاد سياسية وتكتيكية أخرى وراء هذا التأجيل، مشيراً إلى أن بعض المصادر الإسرائيلية أعربت عن خشيتها من أن جنوب أفريقيا لم تطلب التأجيل لمجرد كسب الوقت لجمع أدلة قضيتها، بل ربما تأمل في العودة إلى محكمة العدل الدولية عام 2029 بعد انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مراهنة على أن يكون الرئيس الأمريكي القادم أكثر تأييداً لموقفها، مما قد يسهم في دعم مسار القضية داخل المحكمة التي غالباً ما تؤثر السياسة الدولية على كيفية تصويت بعض قضاتها.

وفي مقابل هذه القراءة التكتيكية، حاولت الرواية الرسمية والإعلامية الإسرائيلية تصوير التمديد كعلامة ضعف، حيث اعتبر تقرير "جيروزاليم بوست" أن تحركات بريتوريا قد تكشف عن قلقها من انهيار القضية تحت وطأة التدقيق في تقديم الأدلة والمعايير القانونية العالية التي تسود في إجراءات الإبادة الجماعية.

وفي هذا الإطار، صرحت وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن "جميع مزاعم الاستعجال قد تحولت الآن إلى طلبات هادئة من جنوب إفريقيا لكسب المزيد من الوقت"، في حين ادعى نائب المدعي العام الإسرائيلي للقانون الدولي، جلعاد نوعام، أن المذكرة المضادة لإسرائيل والأدلة الواسعة الداعمة لها تثبت أن مزاعم جنوب إفريقيا لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، معتبراً أن القضية ما كان ينبغي رفعها أصلاً، ومؤكداً مع الصحيفة الإسرائيلية أن هذا التأخير الطويل يمثل انتصاراً إجرائياً كبيراً لإسرائيل كونه يؤجل الحكم النهائي إلى عام 2030 أو ما بعده.

وبالرغم من أن هذا التمديد الإجرائي الذي يؤخر الجلسات الشفهية والبت النهائي أثار انتقادات من بعض الأطراف الفلسطينية مثل حركة حماس، التي اعتبرت أن إطالة أمد الإجراءات يسهم في إفلات المسؤولين من العقاب، إلا أن الخبراء القانونيين يؤكدون أن هذه المهل الطويلة تُعد أمراً طبيعياً وشائعاً جداً في القضايا الدولية المعقدة لمراجعة آلاف الصفحات والشهادات بدقة.

شائعات حول "صفقة مالية وسياسية"!

وفي سياق هذا المشهد الممتد، تصاعدت موجة من الشائعات والادعاءات التي حاولت تشويه الموقف القانوني والسياسي، مروجةً بأن طلب جنوب أفريقيا للتأجيل جاء بناءً على رغبة أو طلب فلسطيني لإبرام صفقة سياسية أو مالية، مثل الإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى سلطات الاحتلال.

غير أن جهات رسمية وقانونية نفت بشكل قاطع هذا الاتجاه، موضحة أن هذا الربط يفتقر إلى أدنى درجات المنطق السياسي والإجرائي، فدولة جنوب أفريقيا لم تسحب القضية ولم تتراجع عنها مطلقاً بل طلبت وقتاً لتعزيزها، كما أنها ليست الطرف الوحيد في هذه الدعوى حتى تتخذ قرار التراجع من تلقاء نفسها، حيث انضمت لها أكثر من عشر دول رسمياً لتصبح جزءاً أصيلاً من هذا المسار القضائي.

بناء على ذلك، أجمعت كافة التقارير والمصادر المطلعة بلا لبس على أن التأجيل هو شأن فني بحت لجمع الأدلة والتحضير لتفنيد الرد الإسرائيلي، مؤكدة أن الإشاعات المتداولة حول مقايضة القضية بملفات مالية كأموال المقاصة هي ادعاءات عارية عن الصحة تماماً، ولا تستند إلى أي سند قانوني أو مرجع رسمي، وتندرج فقط في إطار محاولات التشويش على المسار القضائي الدولي.