إنّ علاقة العمل من أكثر العلاقات القانونية تواجداً و حساسية كونها لا تقوم فقط على التزامات متبادلة بين صاحب العمل والعامل، وإنما لارتباطها بشكل مباشر بمبدأ العدالة الاجتماعية و الاقتصادية وحماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية و هي العامل في اغلب الحالات 

ان قانون العمل الفلسطيني جاء ليضع إطاراً و تنظيما يحفظ التوازن بين حق صاحب العمل وبين حق العامل في الاستقرار والأمان الوظيفي و اركز هنا و أقول الأمان الوظيفي وعدم تحويل العمل إلى علاقة مؤقتة قابلة للإنهاء التعسفي تحت أي مسمى او لإنهاء مؤقت لعلاقة العمل 

وللأسف الشديد ظهرت و  برزت ظاهرة استخدام ما يسمى بـالعقود السنوية كوسيلة او كأداة في بعض الحالات لإفراغ الحماية القانونية للعامل من مضمونها، وذلك من خلال إبرام عقد لمدة عام، ثم إنهاء علاقة العمل قبل انتهاء العام بفترة قصيرة، وإعادة التعاقد معه بهدف تجنب الالتزامات القانونية المترتبة على الاستمرارية الفعلية لعلاقة العمل ظنّاً و اعتقاداً من صاحب العمل أنه بهذه الوسيلة لن يتحمل أعباء او تكاليف سنوات نهاية مكافأة الخدمة أو التقاعد 

ولكن العبرة في العقود ليست فقط بالألفاظ التي ترد فيها، وإنما بحقيقة العلاقة وطبيعتها. فالعقد الذي يُسمى عقداً محدد المدة لا يجوز أن يكون وسيلة للتحايل على حقوق العامل أو للتهرب من الالتزامات التي فرضها القانون. ومتى ثبت أن العمل بطبيعته مستمر وأن حاجة صاحب العمل للعامل دائمة وليست مؤقتة و ان فترة الفرض على العامل بان ينقطع عن عمله لمدة شهر او اقل تحت بند الانقطاع فإن ذلك يعتبر التفاف على قانون العمل ولا يعفي رب العامل من التزاماته القانونية اتجاه العامل ولا باي صورة من الصور فإن تكرار العقود وتجديدها بصورة نمطية قد يشكل قرينة على وجود علاقة عمل مستقرة وليست علاقة مؤقتة حقيقية.

إن حماية العامل ليست امتيازاً يُمنح له، بل هي تطبيق لمبدأ سيادة القانون، فالقواعد القانونية هدفها ارساء اركان عدالة و حماية مجتمعات و بناء نظام اقتصادي سليم و حماية دول و شعوب و جاءت لمنع اختلال ميزان القوة بين طرف يملك القدرة الاقتصادية والإدارية، وطرف يعتمد على أجره كمصدر أساسي للعيش.

وهنا يبرز دور وزارة العمل باعتبارها الجهة المسؤولة عن الرقابة على تطبيق أحكام قانون العمل، و الذي لا بد لها اي وزارة العمل ان تقدم شيئا ملموسا و ماديا اتجاه دورها الحقيقي في بسط رقابتها و دورها في حماية العامل من اي اضطهاد او انتقاص لحقوقه اضافة لنشر الوعي بحقوق العمال، والتدخل عند وجود ممارسات تهدف إلى الانتقاص من الحماية القانونية المقررة لهم، فالقانون لا يكتفي بالنص، بل يحتاج إلى مؤسسات تضمن احترامه وتطبيقه علما ايضاً ان قانون العمل الفلسطيني منح وزارة العمل فرض عقوبات و غرامات و مخالفات في حال ثبوت وجود المخالفة .

كما يبقى القضاء العمالي الذي نفتقر لوجوده في بلادنا و الذي يجب على الجميع ان يعمل لإيجاد منظومة قضاء عمالية متخصصة لاعتباراها الضمانة الأساسية لإعادة الأمور إلى نصابها، من خلال النظر إلى حقيقة العلاقة وليس شكلها فقط، وتمحيص ظروف التعاقد، وبيان ما إذا كان العقد المحدد المدة عقداً حقيقياً أم مجرد وسيلة للالتفاف على حقوق العامل.

أما النقابات العمالية فإن دورها لا يقتصر على الدفاع عن المطالب الاقتصادية، بل يمتد ليكون دوراً حقوقياً وقانونياً في حماية العامل من أي ممارسات تنتقص من ضماناته، والمساهمة في ترسيخ ثقافة احترام قانون العمل.

إن احترام العقود لا يعني احترام الشكل فقط، بل احترام الغاية التي وجد القانون من أجلها العقد. فالقانون لا يحمي التحايل، ولا يسمح بأن تتحول العقود إلى وسيلة لإضعاف الحقوق التي أراد المشرّع حمايتها.

إن بناء سوق عمل عادل لا يتحقق إلا عندما يشعر العامل أن القانون يقف إلى جانبه، وأن الاستقرار الوظيفي ليس منّة من أحد، بل حق تنظمه قواعد العدالة و الإنصاف .

و اخيراً و ليس آخراً و بالرغم من قسوة الظروف الاقتصادية العامة لكل فئات الشعب الفلسطيني إلا أنني أقول : حماية حقوق العمال واجب أصيل و دور حقيقي و ليس شعارات و هذا ينطبق ايضاً على العديد من الموظفين في القطاعات الخاصة .

و إن دفع الأجور للكثيرين اصبح دون الحد الادنى للأجور المقر سابقا من مجلس الوزراء و مع فرقية الدولار و الدينار اصبح اغلب قطاعات الموظفين و العمال يتقاضون دون الحد الادنى للأجور و عليه وجب إقرار مجموعة من الأنظمة و اللوائح و قيام جهات الاختصاص بدورها الرقابي و المسؤول.