خاص صدى نيوز: هل يمكن أن تحصل هناك انفراجة في الوضع المالي للسطة الفلسطينية مع نهاية العام الجاري؟ تصريحات لوزير المالية والتخطيط د. اسطيفان سلامة أثارت موجة نقاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر منصات إعلامية حول إمكانية تحقيق ذلك وفق المعطيات الصعبة القائمة.

وللعودة إلى الإجابة على هذا السؤال، كان وزير المالية يتحدث في لقاء مطول عبر تلفزيون فلسطين، ولم يأت التصريح في سياق الحسم بالمطلق، وإنما كان الوزير يستعرض الوضع المالي الصعب الذي تعيشه السلطة الفلسطينية، فبادره المذيع إلى سؤال مفاده: هل تستخدم إسرائيل أموال المقاصة كورقة انتخابية؟ فكانت الإجابة بـ"نعم"، وضمن سياق الشرح حول الفترة المقبلة، استعرض سلامة بعض المؤشرات المتفاءلة (مثل انعقاد مؤتمر المانحين الشهر المقبل) دون حسم تحقيقه لنتائج ملموسة، قائلا" هناك مؤشرات إيجابية قد تقود إلى انفراجة مالية مع نهاية العام الحالي".

 فما هي المؤشرات التي اعتمد عليها الوزير في بناء نظرته المتفائلة نسبياً، رغم أن تصريحاته تزامنت مع مصادقة الكنيست على قانون يوسع آليات قرصنة أموال المقاصة مقابل المدفوعات والتعويضات المرتبطة بملفات العمليات المسلحة؟

يقول الخبير الاقتصادي د. سعيد صبري: "من وجهة نظري عند قراءة تصريح وزير المالية حول احتمال حدوث انفراج مالي مع نهاية العام، لا بد من التعامل معه بوصفه تقديراً مشروطاً بجملة من العوامل الداخلية والخارجية، لا وعداً بانتهاء الأزمة خلال فترة قصيرة"، منوهاً إلى أن المشهد المالي الفلسطيني شديد التعقيد، وأي تحسن محتمل في السيولة لن يكون فورياً، بل يحتاج إلى وقت حتى ينعكس فعلياً على قدرة الحكومة على الصرف، خصوصاً أن التعهدات المالية، حتى إذا أُعلنت في مؤتمرات المانحين، لا تتحول عادة إلى تدفقات نقدية مباشرة تدخل الخزينة.

ويضيف: "يزداد هذا التحدي تعقيداً في ظل تقديرات رسمية تشير إلى خسائر اقتصادية تقترب من مليار دولار شهرياً، واستمرار تراكم الالتزامات المالية على الخزينة العامة، الأمر الذي يجعل أي تدفقات مالية خارجية، مهما كانت أهميتها، أقرب إلى أدوات لتخفيف الأزمة منها إلى أدوات كافية لإنهائها".

خارجيا، يعتقد د. صبري أن العامل الأكثر تأثيراً هو ملف أموال المقاصة، باعتبارها تشكل الجزء الأكبر من الإيرادات العامة الفلسطينية. فاستمرار الاقتطاعات الإسرائيلية يحدّ من قدرة الحكومة على بناء توقعات مالية مستقرة، كما أن أي إجراءات أو تشريعات إسرائيلية إضافية قد تزيد من عمق الأزمة. وفي المقابل، قد تساهم الجهود الدولية والمنح والقروض الميسرة في تحسين السيولة، لكن ذلك يبقى مرهوناً بتحول التعهدات إلى أموال فعلية خلال النصف الثاني من العام، والتزام الممولين بتحويلها في المواعيد المحددة.

أما داخلياً، فيرى صبري أن قدرة الحكومة على الاستفادة من أي دعم خارجي ستظل مرتبطة بحجم الالتزامات المتراكمة، ومستوى الدين العام، والديون المستحقة للبنوك والقطاع الخاص، إضافة إلى ضعف النشاط الاقتصادي وتراجع الإيرادات المحلية. فهذه العوامل تضغط على المالية العامة، وتحدّ من قدرة الحكومة على العودة السريعة إلى انتظام كامل في دفع الرواتب والنفقات التشغيلية.

وأكد صبري أن الرهان على تغير سياسي إسرائيلي محتمل، سواء عبر انتخابات أو تبدل في الحكومة، لا يبدو عاملاً حاسماً على المدى القريب. فملف المقاصة بات مرتبطاً بإجراءات وقوانين ومواقف مؤسساتية، وليس فقط بتوجهات الحكومة القائمة، وبالتالي فإن أي تحول سياسي يحتاج إلى وقت طويل قبل أن ينعكس على السياسات المالية القائمة.

يقول صبري إن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو حدوث تحسن محدود وتدريجي في السيولة ونسب الصرف مع نهاية العام أو بدايات العام المقبل، إذا التزم الممولون بتحويل تعهداتهم في المواعيد المقررة، وإذا لم تتوسع الاقتطاعات من أموال المقاصة. غير أن هذا التحسن، إن تحقق، سيبقى أقرب إلى إدارة الأزمة بكفاءة أكبر منه إلى الخروج منها. فالمؤشرات الحالية قد تدعم تحسناً نسبياً في السيولة ونسب الصرف مع نهاية العام، لكنها لا تقدم حتى الآن أدلة كافية على بداية تعافٍ مالي مستدام.

من جهته، أكد مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية في تصريح صحفي أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات واقعية تدعو إلى التفاؤل بإمكانية حدوث انفراج في الأزمة المالية الفلسطينية مع نهاية العام الجاري.

ولفت المرصد إلى أن الأشهر الماضية شهدت صدور العديد من التصريحات والتوقعات من خبراء ومسؤولين وسياسيين بشأن قرب انتهاء الأزمة المالية أو تحسن الأوضاع الاقتصادية، إلا أن هذه التوقعات لم تتحقق على أرض الواقع، ولم تستند إلى معطيات كافية تبررها.

وأشار إلى أن تكرار الحديث عن انفراج مرتقب، بما في ذلك الرهان على احتمال حدوث تغيير في الحكومة الإسرائيلية، لا يستند إلى مؤشرات عملية تؤكد إمكانية استعادة أموال المقاصة المحتجزة أو إنهاء الأزمة المالية القائمة

ولفت المرصد إلى أن الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي صادقت مؤخراً على قانون يوسع آليات اقتطاع الأموال من السلطة الفلسطينية، بما يسمح بخصم مبالغ إضافية من أموال المقاصة مقابل المدفوعات والتعويضات المرتبطة بملفات مختلفة، إلى جانب ما يتعلق بمخصصات الأسرى والشهداء.

وبيّن أن القانون الجديد يتيح اقتطاع مبالغ تشمل تعويضات للمتضررين من العمليات، ومخصصات التأمين الوطني للمصابين وعائلات القتلى، إضافة إلى تعويضات الأضرار التي تلحق بالممتلكات، على أن يقدم وزير المالية الإسرائيلي تقريراً سنوياً يحدد حجم هذه المدفوعات، ليقرر المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينيت) حجم المبالغ التي سيتم اقتطاعها من أموال المقاصة.

وكان وزير المالية أشار في تصريحات صحفية إلى أن السلطة الفلسطينية تحتاج إلى نحو  1.5 مليار شيقل شهرياً للإيفاء بالتزاماتها الأساسية سواء من رواتب أو نفقات شهرياً، بينما لا يتوفر حالياً في ظل احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة سوى  10% من حجم الإيرادات المطلوبة.

وأشار إلى أن الحكومة تحتاج شهرياً إلى قرابة  650 مليون شيقل لدفع 50% من الراتب وحد أدنى 2000 شيقل.علمأ أن فاتورة الرواتب وأشباه الرواتب الكاملة تصل إلى نحو مليار و50 مليون شيقل.

وتبلغ حجم الأموال المحتجزة والمقتطعة من أموال المقاصة حسب تصريحات لوزير المالية نحو 5.7 مليار دولار، بينما يبلغ حجم الدين العام والالتزامات المتراكمة على السلطة نحو 15.6  مليار دولار.