صدى نيوز - قبل يوم من عبور مضيق هرمز، نشر بحّار إندونيسي على متن ناقلة الغاز "الريان" (Al Rayyan) صورة لقوس قزح يمتد فوق مقدمة السفينة. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: "عندما تتحول سفينة الأحلام إلى حقيقة"، معرباً عن شكره لله على هذه النعمة.

لكن ناقلة الغاز الطبيعي المسال أوقفت بعد ذلك جهاز التتبع الخاص بها، وبدأت رحلتها للخروج من الخليج العربي.

كانت ناقلة "الريان"، المحمّلة بالغاز الطبيعي المسال القطري، تتبع ناقلة غاز أخرى قادمة من الإمارة تُدعى "الفويرط" (Fuwairit)، كانت تستعد لعبور الممر المائي بموجب اتفاق بين باكستان وإيران.

منارة أمان في ممر الخطر

أما بالنسبة للبحّارة على متن السفينة الثانية، والذين افتقروا إلى مثل هذه الحماية الحكومية، فقد مثّلت تلك الناقلة منارة أمان عبر ممر بحري محفوف بالمخاطر، وفقاً لما رواه بحارة لاحقاً.

دخلت السفينتان ببطء إلى المياه الخاضعة للسيطرة الإيرانية، وسط مسح دقيق للأفق ترقباً لظهور ناقلات أخرى، أو زوارق دورية إيرانية، أو طائرات مسيّرة مغيرة تقترب من المنطقة. 

خيّم صمت مطبق على المكان. ثم اختفت أيضاً إشارة التتبع الخاصة بالسفينة الأولى. وفي تلك اللحظات، لجأ بعض أفراد الطاقم إلى الصلاة.

بعد يوم، خرجت السفينتان مُجدداً من رحلتهما "المظلمة" لتظهرا في خليج عُمان، قبل أن تنطلقا شرقاً بعد أشهر من الانتظار.

مع بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير، كانت قطر من أوائل المنتجين الذين وجدوا أنفسهم في مرمى التداعيات الاقتصادية للصراع.

تعطلت بشكل مفاجئ حركة منشأة الغاز الطبيعي المسال العملاقة التابعة لها وأسطول ناقلاتها، بما في ذلك بعض من أغلى السفن في العالم. مع دخول الحرب شهرها الرابع، لا يزال مضيق هرمز تحت هيمنة إيران الفعلية.

مع ذلك، بدأت ثاني أكبر دولة مصدّرة للغاز الطبيعي المسال في العالم مجدداً في نقل شحناتها خارج الخليج العربي، مستفيدةً من ممارسات في التوظيف والملاحة تعود أكثر إلى الجوانب الغامضة من سوق النفط، وليس إلى صناعة الغاز الطبيعي المسال، التي تُعد أصغر حجماً وأكثر تحفظاً، والتي كانت فيها قدرة المشترين على تتبع الشحنات من ميناء إلى آخر جزءاً من سمعتها القائمة على الموثوقية.

معركة شرسة لحرية الملاحة 

قالت ميشيل فيزه بوكمان، المحللة في شركة المعلومات البحرية "ويندوارد" (Windward): "إنها معركة من أجل حرية الملاحة". و"عندما تنظر إلى كل تلك المضائق الحيوية، تدرك أن الأسس التي تقوم عليها التجارة البحرية العالمية تتعرض للاهتزاز فجأة. كما نشهد قفزة في عمليات العبور الخفي (العبور المظلم)، وتصاعداً متسارعاً في حدة المخاطر".

خلال شهر مايو، يبدو أن ما لا يقل عن أربع سفن قطرية قد قطعت ذلك الممر المائي متخفّية، وفقاً لما كشفته بيانات الملاحة البحرية وأشخاص مطلعين على الأمر. 

تمثل هذه الشحنات جزءاً ضئيلاً من مستويات ما قبل الحرب، لكنها تشكل بارقة أمل للمشترين مثل الهند وبنغلاديش، الذين اضطروا إلى اللجوء إلى السوق الفورية لتعويض النقص في الإمدادات، ودفعوا أسعاراً مضاعفة مُقارنةً بشحنات الغاز القطري.

في الجوار، مرّرت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) هي الأخرى عدداً مماثلاً من الشحنات في تكتّم شديد. 

يمثل التحول إلى العبور الخفي في المقام الأول محاولةً للحد من المخاطر التي تتعرض لها السفن والطاقم أثناء عبور مضيق هرمز -وهي مخاطر ستظل مرتفعة حتى يتم التوصل إلى تسوية دائمة- لكنه يعكس أيضاً الضغوط السياسية والمالية التي تتعرض لها دول منتجة مثل قطر ودول الجوار.

تهديد موثوقية الغاز المسال 

كما أن لهذا التحول آثاراً محتملة طويلة الأمد على تجارة الغاز الطبيعي المسال، التي أصبحت أقل شفافية في حين يطرح المستهلكون في آسيا تساؤلات حول مستقبل هذا الوقود، الذي واجه بالفعل أزمتين في الإمدادات خلال ما يزيد قليلاً على أربع سنوات.

تستند هذه الرواية حول تغيّر تدفقات الغاز الطبيعي المسال في الخليج العربي إلى أكثر من اثني عشر مقابلة مع وسطاء يعملون في المنطقة، ومسؤولين في شركات وحكومات، وبحّارة ومحللين، تحدثوا جميعاً بشرط عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لحساسية الموضوع.

تكشف هذه الشهادات عن سعي المصدّرين للتكيّف مع أزمة طاقة غير مسبوقة، إضافة إلى انعكاساتها على الأطراف التي تعتمد على هذه التجارة.

لم ترد كل من "أدنوك" و"قطر للطاقة" على طلبات التعليق.

ظهر أول مؤشر على هذا التغيير في صناعة الغاز الطبيعي المسال -التي كانت تُعد بالكامل قابلة للتتبع بفضل الطبيعة المتخصصة لسفنها ومحطاتها- في عام 2023، مع بدء العقوبات الأميركية في التأثير على قطاع تصدير الغاز الروسي.

أسطول الظل الروسي للصين

مع سعي موسكو الحثيث لنقل الشحنات من مشروعها الرئيسي "أركتيك إل إن جي 2"، أنشأت أسطولاً موازياً من السفن، متبعةً نموذج قطاع النفط، بهدف خدمة أكبر سوق في العالم وهي الصين. 

لا تخضع كل من قطر وأبوظبي للعقوبات، كما أنهما لا تشاركان في التجارة الخاضعة لهذه العقوبات. لكن ما استخلصتاه الدولتان من التجربة الروسية هو اللجوء إلى تشغيل أسطول الظل باعتباره خياراً بديلاً عند الحاجة.

يأتي ذلك رغم متطلبات المنظمة البحرية الدولية التي تفرض تشغيل أجهزة التتبع "AIS"، خصوصاً في الممرات البحرية الضيقة والمزدحمة.

قال سول كافونيك، كبير محللي الطاقة في مؤسسة "إم إس تي ماركي" (MST Marquee): "من الطبيعي أن يسعى منتجو الغاز المسال في الخليج لتفادي الهجمات الإيرانية، متبنين في سبيل ذلك ممارسات أسطول الظل". وأضاف: "قد يستمر ذلك طالما استمرت إيران في محاولة فرض السيطرة وتهديد العبور عبر المضيق، وهو ما قد يمتد حتى بعد أي اتفاق سلام". 

أوامر إغلاق أجهزة التتبع في "رأس لفان"

بدأت قطر الشهر الماضي في توجيه الناقلات سواء المملوكة لها أو المستأجرة، بإيقاف تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال الرقمية (أجهزة التتبع) بمجرد اقترابها من منشأة "رأس لفان"، التي تُعد أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، وتكرار الإجراء نفسه عند عبور مضيق هرمز دخولاً أو خروجاً من الخليج، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر.

كما ألزمت الإجراءات الجديدة السفن بالتحرك بشكل ثنائي ضِمن قافلة مصغرة، بهدف تعزيز مستويات السلامة، حسب الأشخاص. 

في الوقت نفسه، قال الأشخاص إن الشركات تعمد إلى استبدال قادة السفن والبحارة الذين يتعذر عليهم أو يرفضون الملاحة عبر هذا الممر البحري. في تحول لافت، لم تعد الخبرة شرطاً دائماً لمن يتولون سد هذا الفراغ. على سبيل المثال ناقلة "الريان"، التي تملكها شركة "قطر للطاقة"، وفقاً لقاعدة بيانات الشحن "إيكواسيس". 

تشير سجلات تتبع الملاحة لدى "بلومبرغ" الممتدة منذ أواخر 2016، إلى أن عمليات هذه الناقلة اقتصرت على مدى العقد الماضي على تلبية احتياجات ميناء "رأس لفان" للتصدير. لكن منذ فبراير، وجدت نفسها دون قصد في قلب أزمة تاريخية.

كانت السفينة راسية بالقرب من المنشأة القطرية عندما أصابت صواريخ إيرانية الموقع في مارس، ما أدى إلى إجلاء طارئ ودفع السفينة إلى المياه المفتوحة.

شهادات البحارة الفلبينيين 

روى بحارة من الطاقم الفلبيني، يُقدّر إجمالي عددهم بأكثر من 20 فرداً، كيف دوّت صافرات الإنذار في جوف الليل، دافعةً إياهم للتحرك والهروب في حالة من الذعر. 

كتب أحد البحارة الفلبينيين على وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقاً صورة لمنشأة "رأس لفان" الضخمة وهي تشتعل بالنيران عقب الهجوم الإيراني: "لا يمكن للمرء أن يتخيل هول المشهد ما لم يره بأم عينيه". وأضاف: "بعد ساعة واحدة فقط من مغادرتنا، وقعت انفجارات أكبر، واستمرت الهجمات لمدة ثلاث ساعات. كانت سفينتنا آخر من غادر الميناء".

قال أفراد الطاقم إنهم تلقوا بعض وسائل الراحة والتقدير، مثل شوكولاتة "توبليرون"، إلا أن معظمهم طالبوا بإعادتهم إلى أوطانهم وغادروا بعد ذلك بوقت قصير.

عادةً ما يكون البحّارة العاملون على متن سفن الغاز الطبيعي المسال العملاقة مثل "الريان" -التي يبلغ طولها نحو ضعفي ونصف طول ملعب لكرة القدم الأميركية وتُقدَّر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات- من الكوادر عالية التخصص، نظراً للطبيعة التقنية المعقدة لهذه السفن وحمولتها المبردة بشدة. 

لكن لاستبدال هذا الطاقم، كان عامل الوقت هو الحاسم. عرضت جهة التوظيف أجوراً مضاعفة، ولم تشترط خبرة مُباشرةً في مجال الغاز الطبيعي المسال.

تولى القبطان ديفيد ب. سيهومبينغ تنظيم عملية اختيار المتقدمين. وكانت شركته للتوظيف "سافانا تشارتا" (Savana Charta) قد وفرت في السابق أطقم عمل إندونيسية لسفينتين على الأقل تنقلان شحنات غاز طبيعي مسال خاضعة للعقوبات إلى الصين، قبل حصر القائمة النهائية في 25 شخصاً. 

تجمع المتقدمون في مكتب صغير بجاكرتا مطلع الشهر الماضي للاستماع إلى شرح حول مخاطر المهمة، من هجمات الطائرات المسيّرة وحوادث التصادم إلى احتمال التعطل في البحر لأشهر طويلة.

وكانت التعليمات واضحة: إذا تقرر عبور الناقلة عبر مضيق هرمز، فعليها الاختفاء عن أنظمة التتبع لتجنب التحول إلى هدف. وقد بدأت هذه الممارسة بالفعل في إحداث تداعيات لدى بعض أكثر المشترين حاجةً للطاقة.

موافقة إيرانية لشحنة باكستانية 

في أوائل مايو، حصلت باكستان على موافقة إيران لاستقبال شحنة غاز قطرية، وهي شحنة ضرورية للغاية لدولة تعاني من نقص في الكهرباء وتحتاج بشكل عاجل إلى الغاز الطبيعي المسال للحد من انقطاعات التيار المتكررة.

تمت الموافقة على عبور ناقلة واحدة تُدعى "محزم" (Mihzem).

لكن مع اقتراب الناقلة "محزم" من مضيق هرمز في 11 مايو، عادت بشكل مفاجئ أدراجها واختفت من أنظمة تتبع السفن.

أربك ذلك المسؤولين في إسلام آباد، الذين هرعوا لتأمين إمدادات بديلة، بما في ذلك من السوق الفورية مرتفعة التكلفة، قبل أن يتضح أن هذا التراجع لم يكن سوى مناورة للتضليل.

بعد ساعات، تلقى مسؤول باكستاني اتصالاً من بحّار على متن السفينة يؤكد أنها عبرت مضيق هرمز بسلام. بعد ذلك بوقت قصير، عادت إشارة التتبع للظهور، أعقبها تأكيد من قطر بأن الشحنة ستصل خلال ذلك الأسبوع.

العبور المظلم يتجاوز قطر 

ولا تنفرد قطر باللجوء إلى عمليات العبور الخفي. في بداية الصراع، ضغطت شركة "أدنوك" على السفن للإبقاء على أنظمة التتبع "AIS" قيد التشغيل، الأمر الذي يسمح بتتبعها بسهولة.

عارض قادة السفن ذلك، وفضّلوا اتباع ممارسات شائعة لدى بعض أطراف قطاع النفط، تتمثل في العبور دون إبلاغ السفن الأخرى أو السلطات البحرية. وجادلوا بأن الشحنات المخفية تُغني الشركة عن تنسيق تحركاتها أو الحصول على موافقة طهران، وهو شرط تفرضه القوات الإيرانية. في نهاية المطاف، رضخت "أدنوك" لهذا النهج.

بموجب الإجراء الحالي، الذي يهدف جزئياً إلى الحفاظ على تشغيل منشأة تصدير جزيرة "داس"، يُطلب من قادة السفن المتجهة إلى الخليج العربي التوقف أولاً عند مرسى خورفكان شرق مضيق هرمز. وهناك، ترسو السفينة ثم يتم إيقاف نظام التتبع "AIS". 

بالنسبة للطاقم الجديد لناقلة "الريان"، جاءت أوامر الإبحار بعد العبور الناجح لناقلة "محزم". وأُبلغ الطاقم بأن الناقلة ستعبر في وضع "التعتيم الكامل" دون بث إشارات تتبع.

بحسب بحّارة وتجار مطّلعين على تحركاتها، لم تدفع الناقلة أي رسوم عبور، كما أنها لم تكن مشمولة بأي اتفاق مع إيران، لكنها كانت سترافق سفينة أخرى محمية باتفاق دبلوماسي هي "الفويرط"، وكانت متجهة إلى الصين، أكبر مشترٍ للغاز القطري.

كيف يواجه البحارة الهجوم على ناقلات الغاز؟ 

في حال التعرض لهجوم، كانت التعليمات بسيطة؛ الاحتماء ثم الارتداد خلفاً. وتذكّر البحّارة لاحقاً اللحظة التي عبرت فيها السفينة بسلام الجانب الشرقي لمضيق هرمز. وسادت حالة من الارتياح بين أفراد الطاقم، الذين كانوا جميعاً يخشون أن تأمرهم طهران بالعودة.

لم تُعد الناقلة "الريان" تشغيل أنظمة تتبعها إلا بعدما أصبحت شمالي مسقط، مبتعدةً بأمان عن البحرية الإيرانية. 

انطلقت الناقلة في 23 مايو من خليج عُمان صوب الصين، لتصبح أول شحنة غاز مسال قطري تسلك هذا الطريق منذ بدء الحرب. في جاكرتا، بدأ مسؤولو التوظيف في شركة "سافانا تشارتا" بالفعل البحث عن دفعات جديدة من أفراد الطاقم.