في غزة  لم تعد المأساة حدثا عابرا يمر ثم يترك للناس فرصة التقاط أنفاسهم صارت واقعا يوميا يستيقظ معهم وينام إلى جوارهم إن استطاعوا النوم أصلا هناك أم فقدت أبناءها وزوجها تحت الركام لكنها ما زالت كل صباح ترتب أطراف ثوبها وتجلس عند باب خيمة مهترئة كأنها تنتظر عودة المستحيل تنظر إلى الوجوه المارة لا بحثا عن أحد بل لأن القلب يرفض التصديق أن الذين كانوا يملؤون البيت ضجيجا وضحكا قد اختفوا دفعة واحدة.

وهناك طفلة نجت وحدها من عائلة كاملة لم تعد تعرف معنى كلمة “بيت” لأن البيت بالنسبة لها كان أماً توقظها صباحا وأباً يحملها على كتفيه وإخوة يتشاجرون على أشياء صغيرة أما الآن فقد أصبح البيت صورة باهتة تحاول أن تتذكر تفاصيلها قبل أن تسرقها الأيام من ذاكرتها.

القصف لا يتوقف ليمنح الناس فرصة للحزن كل انفجار يلحقه آخر وكل ليلة ثقيلة تلد ليلة أثقل منها يعيش الناس على إيقاع الخوف لا على إيقاع الساعات يقيسون الزمن بعدد المرات التي نجوا فيها وبعدد الأسماء التي غابت عن موائدهم.

وحين يأتي الشتاء لا يأتي ضيفا عاديا يدخل البرد إلى الخيام الممزقة بلا استئذان يمر بين الثقوب الصغيرة ويستقر في العظام يرتجف الأطفال تحت بطانيات رطبة وتحاول الأمهات أن تصنع من أجسادهن جدارا يحمي أبناءهن من الصقيع لكن البرد أقوى من الأجساد المتعبة وأقسى من الكلمات التي لا تستطيع أن تمنح دفئا .

أما فقدان المأوى فهو جرح لا يراه أحد أن يعود الإنسان إلى مكان عاش فيه عمره فلا يجد سوى الركام أن يبحث عن نافذته فلا يجدها وعن غرفته فلا يعثر إلا على الحجارة والغبار وحتى الخيمة التي جاءت بديلا عن البيت لم تعد ضمانا للأمان قد تقتلعها الرياح أو يبتلعها المطر أو يضطر أصحابها إلى تركها والرحيل من جديد ان لم يطالها القصف اللعين .

في غزة النزوح ليس رحلة بل قدر يتكرر يحمل الناس ما استطاعوا حمله ويتركون خلفهم ما لا تستطيع الأكتاف حمله: الذكريات ينتقلون من مكان إلى آخر ومن خوف إلى خوف حتى يصبح السؤال ليس أين سنذهب بل هل يوجد مكان لم يطله الخطر بعد؟

الجوع هناك لا يطرق الباب بل يسكن البيت يجلس إلى جوار الأطفال ويرافق الأمهات طوال اليوم تصبح وجبة واحدة حلما ويصبح الخبز أمنية ويصبح الماء النظيف نعمة يتحدث عنها الناس كما يتحدث آخرون عن الرفاهية ينام كثيرون بمعدة فارغة ويستيقظون على الجوع نفسه الذي ناموا عليه.

ولأن الخوف والجوع والبرد اجتمعوا معا أصبح النوم رفاهية بعيدة المنال كيف ينام من ينتظر انفجارا قد يأتي في أي لحظة؟ كيف تستسلم العينان للراحة بينما المعدة فارغة والجسد يرتجف من البرد؟ تمر الليالي طويلة كأن الفجر نسي الطريق إلى المدينة.

حتى الحياة اليومية فقدت شكلها المعتاد انتشرت القوارض بين أماكن النزوح تتسلل بين الخيام وبين ما تبقى من الطعام القليل وصارت العائلات تحاول حماية أطفالها من أخطار جديدة لم تكن تتخيل يوما أنها ستصبح جزءا من حياتها  أصبح الفأر ذئبا يأكل الاطفال!! من اين أتوا ؟ الم يقضي عليهم القصف و الجوع و البرد !!! 

الحرب لا تصيب البشر وحدهم تمتد إلى كل ما يمنح الحياة معناها المستشفى الذي كان ملاذا للمرضى والمدرسة التي كانت تفتح أبواب المستقبل للأطفال والجامعة التي كانت تحتضن أحلام الشباب ودور العبادة التي كان الناس يقصدونها طلبا للسكينة كلها أصابها ما أصاب الإنسان من فقد وخوف ودمار.

وفي خضم كل ذلك دفع الصحفيون ثمن نقل الحقيقة والأطباء ثمن بقائهم إلى جانب الجرحى كان بعضهم يعمل وهو يعلم أن الخطر قريب لكن الواجب كان أكبر من الخوف.

أما السجين خلف القضبان فله معاناة من نوع آخر لا يرى ما يجري، لكنه يعيشه في مخيلته كل لحظة يستيقظ  السجين ويسأل نفسه: هل ما زالت أمي على قيد الحياة؟ هل وجد أطفالي ما يأكلونه؟ هل استطاعوا الاحتماء من البرد؟ هل ما زال لهم بيت يعودون إليه؟ أم أصبحوا مثل آلاف العائلات التي تحمل الوطن في ذاكرتها فقط؟

أصعب ما يواجهه السجين ليس  التعذيب و لا الاغتصاب و إلا قطع الأطراف و لا الجدار ولا الباب المغلق بل الأسئلة التي لا تجد جوابا أن تمر الأيام وهو لا يعرف مصير أحبته أن يحاول رسم وجوههم في ذهنه خوفا من أن تسرقها منه السنوات.

وقد يصل الألم إلى درجة يصبح فيها خبر الإفراج نفسه ثقيلا على القلب ليس لأن الحرية مكروهة بل لأن الخارج لم يعد كما كان لأن الإنسان قد يخرج باحثا عن اهله و عن بيته فلا يجدهم فلا يعثر إلا على أسمائهم في ذاكرته لأن الحرية تفقد شيئا من معناها حين يكون كل ما ينتظرك خلف البوابة هو الفقد والخوف وعدم اليقين.

ومع ذلك يبقى أهل غزة متمسكين بالحياة على نحو يثير الدهشة يزرعون الأمل في أرض أثقلتها الجراح ويتمسكون ببعضهم بعضا وسط كل هذا الخراب وكأنهم يقولون للعالم إن الإنسان قد يُحاصر وقد يجوع وقد يفقد بيته وأحبته لكنه ما دام قادرا على الحلم فإن شيئا في داخله سيبقى أقوى من كل محاولات الانكسار.