صدى نيوز - فرغ القارئ المصري الراحل الشيخ محمد صديق المنشاوي في منتصف الأربعينيات من تسجيل القرآن كاملا، فأجازته لجنة استماع ضمت نخبة من كبار العلماء والقراء، وأشادت بأدائه.

كان بوسعه أن يطمئن؛ العمل اكتمل والإجازة بيده، لكنه جلس ينصت إلى صوته شريطا بعد شريط، ثم خرج بطلب لإعادة تسجيلها على نفقته الخاصة؛ فبعض الأشرطة لا تبلغ ما يرضاه.

وبعد نحو ستة عقود على تلك الجلسة، عادت الأشرطة لتخرج من أرشيف إذاعة القرآن الكريم إلى الأثير. فقد بدأت الإذاعة من القاهرة، في الأول يونيو/حزيران الجاري، بث ختمة مرتلة جديدة بصوته تعود إلى ستينيات القرن الماضي، والتلاوة المرتلة هي القراءة المنضبطة بأحكام التجويد دون التوسع في التطريب الذي يميز المجود.

الشريط الذي لم يُرضِه

وتعود البداية إلى عام 1965 حين سجل المنشاوي المصحف المرتل كاملا على اثنين وثمانين شريطا، فاعتمدته اللجنة وأشادت به، لكنه بعد أن استمع إلى التسجيلات بنفسه وجد أجزاء تحتاج ضبطا، فطلب إعادة تسجيل اثنين وثلاثين شريطا من الختمة، وتعهد في طلبه الرسمي بإعادة التسجيل دون مقابل مادي، وبتحمل تكاليف لجنة المراجعة على نفقته الخاصة. ثم أُجيزت التسجيلات الجديدة عام 1967، ومنذ ذلك العام ظلت حبيسة الأرشيف.

وفي تقديم الإذاعة لهذا الإرث، وجه رئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني الشكر إلى أسرة المنشاوي على دعمها المستمر، وهي الأسرة التي أهدت الهيئة عددا من تلاواته النادرة من حفلات خارجية أحياها على مدى عقود.

حين جاءه الميكروفون

وُلِد المنشاوي عام 1920 (1338هـ) في بلدة المنشأة بمحافظة سوهاج جنوبي مصر، لأسرة قرآنية توارثت التلاوة؛ كان أبوه صديق من أبرز قراء الصعيد، وجده تايب رجلا قرآنيا قبله. وبحسب بورتريه نشرته الجزيرة نت، أتم حفظ القرآن في الثامنة على يد أبيه، ثم قصد القاهرة ليتلقى علوم القرآن على مشايخ الأزهر.

وبينما كانت نجومية القارئ تبدأ من أثير الإذاعة في زمنه، ولا تُبث تلاوة شيخ قبل أن يتصدر المسابقات ويقر بجدارته كبار العلماء، اختلف الأمر مع الفتى الصعيدي؛ فقد قصدته طواقم الإذاعة لتسجيل قراءته دون أن يسعى هو إليها. وهو الذي عُرف لاحقا بـ"القارئ الباكي"، لما جمع صوته بين الخشوع والشجن.

وجاب الشيخ محمد صديق المنشاوي العالم بصوته؛ قرأ في المسجد الأقصى بالقدس، وفي الكويت وليبيا والجزائر والعراق والسعودية وبريطانيا، ومنحته سوريا وسام الاستحقاق، وإندونيسيا أحد أرفع أوسمتها.

ولم يمهل العمر القارئ الباكي طويلا؛ ففي عام 1966 ألم به مرض أثر في قدرته الصوتية، لكنه واصل مسيرته حتى رحل عام 1969 ولما يبلغ الخمسين، تاركا ما يزيد على مئة وخمسين تسجيلا. ومن مفارقات صوته أنه ظل يكبر بعد صاحبه؛ تحمله اليوم التطبيقات والقنوات إلى أجيال لم تولد حين توقف.

المصدر: الجزيرة