بين الأمس والغد… تقف فلسطين

 لتقرأ أسماء رجالها كما تُقرأ الأوطان الكبيرة؛ لا كتفاصيل عابرة في الذاكرة، بل كمسيرةٍ ممتدة من البطولة والإيمان والمعنى.

بالأمس، مرّت علينا  ذكرى استشهاد الأخ القائد فيصل الحسيني… ابن القدس الذي لم يغادرها يومًا، حتى وهو بعيد عنها. رجلٌ حمل فلسطين في صوته وموقفه وهيبته وحمل القدس كما يحمل المؤمن صلاته الأخيرة بإخلاصٍ كامل لا يعرف التراجع.

لم يكن فيصل الحسيني مجرد قائدٍ فتحاوي أو مسؤولٍ وطني، بل كان صورةً راقية لفلسطين التي نريدها. فلسطين العميقة بثقافتها، الواضحة بهويتها، المؤمنة بحقها، والثابتة أمام كل محاولات الاقتلاع والتشويه. كان ابن حركة فتح التي تعلّمت كيف تصنع من الرجال مشروعًا وطنيًا وكيف تجعل من القائد حالةً أخلاقية قبل أن يكون موقعًا أو منصبًا.

وحين رحل في الحادي والثلاثين من أيار، لم يتحول ذلك التاريخ إلى يوم حزنٍ فقط، بل إلى محطة وطنية تحمل معنى التحرير الحقيقي؛ لأن بعض الرجال يرحلون بأجسادهم ولكنهم يتركون خلفهم وطنًا أكثر صلابة وشعبًا أكثر إيمانًا ورايةً أكثر ارتفاعًا.

وفي الغد، ستمر علينا ذكرى معركة قلعة الشقيف… تلك اللحظة الفلسطينية الخالدة التي تحولت فيها القلعة إلى أسطورة مقاومة، وتحول فيها الفدائي الفلسطيني إلى عنوانٍ للشجاعة التي تتجاوز الحسابات العسكرية والظروف المستحيلة.

في الشقيف، لم يكن المقاتل الفلسطيني يدافع عن موقعٍ عسكري فحسب، بل كان يدافع عن صورة الفلسطيني في الوعي الإنساني كله. ذلك الإنسان الذي قد يُحاصر وقد يُستهدف وقد يُخذل أحيانًا، لكنه لا ينكسر ولا يرفع الراية البيضاء.

هناك، فوق حجارة القلعة، كتب الفدائي الفلسطيني واحدة من أكثر صفحات الثورة الفلسطينية نقاءً وكبرياءً. أثبت أن حركة فتح والثورة الفلسطينية لم تكونا يومًا مجرد حدثٍ سياسي عابر، بل مشروع كرامة ممتد، تُسلَّم فيه الراية من جيلٍ إلى جيل، ومن شهيدٍ إلى شهيد، ومن مقاتلٍ إلى طفلٍ يحفظ اسم فلسطين قبل أن يتعلّم أسماء المدن.

ومن يقرأ هذه التواريخ جيدًا، يدرك أن معركة التحرر الوطني الفلسطيني لم تنتهِ بعد، وأن الطريق الذي سار عليه الشهداء لا يزال مفتوحًا أمام شعبٍ قرر أن يتمسك بحقه مهما طال الزمن. فالمشروع الوطني الفلسطيني، الذي حملته منظمة التحرير الفلسطينية بوعي شعبها وتضحيات أجيالها، لم يكن يومًا مشروع لحظةٍ عابرة، بل مشروع شعبٍ يريد الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية الكاملة.

قد تتغير الظروف، وتشتد الأزمات وتتراكم التحديات، لكن الشعوب التي أنجبت رجالًا مثل فيصل الحسيني، وقدّمت بطولات الشقيف، لا يمكن أن تتخلى عن حلمها أو تفقد إيمانها بانتصار قضيتها. ففلسطين التي استطاعت أن تبقى حيّة رغم كل هذا الألم، تعرف جيدًا كيف تحمي روايتها وكيف تُعيد إنتاج قوتها، وكيف تواصل مسيرتها حتى تحقيق أهدافها الوطنية.

وهكذا تمضي الحكاية الفلسطينية دائمًا… من فيصل الحسيني الذي حرس القدس بالكلمة والموقف، إلى مقاتلي الشقيف الذين حرسوا الكرامة بالدم والنار. أسماء تختلف ولكن الروح واحدة والراية واحدة والانتماء لفلسطين يبقى المعنى الأعمق الذي لا يتبدل.

إنها حركة فتح… التي لم تتوقف يومًا عن تقديم صورة الفلسطيني المقاوم والمثقف والمؤمن والصابر والعابر فوق كل محاولات الكسر والإلغاء. حركة تعرف أن الأوطان لا تُبنى بالضجيج، بل بالتضحيات الطويلة وبالرجال الذين يشبهون فلسطين في كبريائها وصبرها وقدرتها الدائمة على النهوض.

وحدها الشعوب الحية هي التي تبقى قادرة على صناعة البطولة جيلاً بعد جيل… وفلسطين، منذ بدايتها وحتى اللحظة لم تتوقف عن انجاب رجالها .