صدى نيوز - لا يزال الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحتفظ بكامل قدرته على تحريك أسواق النفط. أما المؤشرات التي توحي بأن المتداولين باتوا أقل تأثراً بتصريحاته فهي مجرد وهم.

فحتى مع مراعاة انخفاض حدة التقلبات في السوق منذ بدء سريان وقف إطلاق النار مع إيران، فإن تأثير الأخبار الصادرة عن البيت الأبيض على أسعار النفط الخام لا يزال قادراً على تحريك السوق بالقوة نفسها التي شهدتها الأيام الأولى للحرب.

وحتى لو بدت التصريحات متكررة، لا يملك المتداولون رفاهية تفويت ذلك التصريح الذي يُحتمل أن تتحول فيه التهديدات بشن ضربات أو المزاعم بشأن التوصل إلى اتفاق.. إلى واقع ملموس.

كلمة ترمب تحتفظ بوزنها في سوق النفط

تؤكد التطورات التي شهدها يوم 18 مايو أن كلمات ترمب لا تزال مؤثرة في السوق. فقد أعلن الرئيس أنه أصدر توجيهات لوزير الدفاع، بيت هيغسيث، بإرجاء ضربة عسكرية كانت مقررة ضد إيران في اليوم التالي، وهي عملية عسكرية لم يُكشف عنها علناً من قبل. وخلال ساعة، هبط سعر خام غرب تكساس الوسيط 2.4%، كما تراجع سعر خام برنت 2.9%. 

يتسق هذا تماماً مع استجابة السوق البالغة نحو 2.3% والتي يتوقعها نموذجنا في حال صدور تصريح بارز، إذا ما تحول الصراع مجدداً نحو المواجهة العسكرية المباشرة.

وقامت "بلومبرغ إيكونوميكس" بتحليل 9,933 عنواناً إخبارياً عاجلاً متعلقاً بالصراع مع إيران، استندت إلى تصريحات مباشرة أو منسوبة إلى ترمب أو موظفي البيت الأبيض.

من خلال دمج تدفقات العناوين الإخبارية الصادرة عن خطاب أو مؤتمر صحفي معين في حدث واحد، قمنا باختزال هذه البيانات إلى 576 حالة إخبارية، وقمنا بقياس رد فعل أسعار النفط خلال ساعة واحدة من وقوع كل منها.

تراجعت استجابة الأسعار الخام لكل عنوان إخباري بنسبة 34% بين مرحلة المواجهات العسكرية المباشرة في الحرب (28 فبراير - 23 مارس) ومرحلة وقف الضربات ثم وقف إطلاق النار اللاحق، وهو هبوط يُعزى على الأرجح إلى حالة من الإنهاك أصابت السوق.

أما عند تحييد أثر التقلبات المحلية التي تراجعت بنحو 40% مع انخفاض حدة القتال وإعلان وقف إطلاق النار، فإن هذه الفجوة تختفي تماماً.

فعند صدور عناوين متساوية في درجة خطورتها، تحرك سعر خام غرب تكساس الوسيط بمقدار 0.52 انحراف معياري خلال مرحلة المواجهات العسكرية، وبنحو 0.54 خلال المراحل اللاحقة، وهي قيم متطابقة تقريباً من الناحية الإحصائية.

وإذا ما بدأت جولة جديدة من المواجهات العسكرية المباشرة، فمن المتوقع أن يتضاعف رد فعل أسعار النفط تجاه الأنباء المتداولة تقريباً، ليرتفع من نحو 1.1% إلى 2.3% في حال صدور أي تصريح بارز محرك للسوق.

التجار مضطرون لمتابعة ترمب

 خلاصة القول هي أن المتعاملين في سوق النفط لا يغفلون عن بيانات البيت الأبيض، على عكس الافتراضات الشائعة لدى البعض.

فقد بددت الأسواق مخاوف اليقين الاستراتيجي بشأن حدود الحرب ونطاقها، لكنها لا تزال عاجزة عن حسم الشكوك التكتيكية حول مدى التزام الأطراف بأي إعلان أو صموده.

يتلاشى التراجع في حجم استجابة الأسعار للأخبار بالكامل بمجرد أخذ الاستقرار الذي خيّم على السوق في الحسبان، إثر تراجع حدة القتال والإعلان عن وقف إطلاق النار في 7 أبريل.

تراجعت التقلبات الأساسية للسوق-والتي تُقاس بالانحراف المعياري للعوائد المحسوبة كل خمس دقائق خلال الـ 24 ساعة السابقة لصدور كل نبأ- بنحو 40% مع تحول مسار الحرب من الضربات الجوية إلى الجهود الدبلوماسية.

وتراجع متوسط تقلبات خام غرب تكساس الوسيط خلال خمس دقائق من 0.52% أثناء القتال النشط إلى 0.32% في المرحلة الحالية. وعند قسمة التحركات السعرية الفورية على نسبة التقلب المحلي، يتبين أن معدل تفاعل السوق ظل ثابتاً دون تغيير.

وزن نسبي موحد للأنباء المتشابهة 

حركت الأنباء ذات الأهمية المتقاربة أسعار النفط بمقدار نصف انحراف معياري تقريباً، بغض النظر عن مرحلة الحرب.

ينطبق ذلك على الأنباء ذات الصيغة التي تنطوي على التصعيد أو التهدئة على حد سواء، ما يعني أن الأسواق لم تتجاهل نوعاً معيناً من الأخبار دون الآخر.

بل إن الأخبار التي أشارت إلى التهدئة أثارت تفاعلاً أقوى بعد تعديلها وفق التقلبات خلال محادثات وقف إطلاق النار في أواخر مارس وأوائل أبريل، عندما كانت كل بادرة سلام تحمل في طياتها احتمال إعادة فتح مضيق هرمز. 

وصل التغير السعري المعدل حسب التقلبات، لكل وحدة من حجم أهمية الخبر، إلى 0.78 انحراف معياري خلال تلك الفترة، وهو ما يزيد بنحو 50% عن المستوى الطبيعي لأسواق النفط. وقد تفاعلت الأسواق بشكل مكثف مع مؤشرات التهدئة عندما بدا حل الأزمة يلوح في الأفق. فالسوق لا تتجاهل البيت الأبيض، بل إن مستوى التقلبات الإجمالي أصبح أقل فحسب.

لماذا لا يستطيع المتداولون تجاهل التصريحات؟

هيكل المكاسب والخسائر يجعل تجاهل الأخبار أمراً غير منطقي. فقد يؤدي تجاهل إعلان حقيقي بإعادة فتح هرمز أو توقيع اتفاق إلى خسارة تتراوح بين 10% و15% في مراكز الشراء على النفط الخام.

في المقابل، فإن تكلفة إعادة التسعير المؤقتة بناءً على تصريح عابر يجري التراجع عنه، تظل حركة محدودة يمكن تداركها.

هذا التباين يفرض التعامل مع كل عنوان بوزنه الكامل، بصرف النظر عن تكرار الإشارات المضللة سابقاً.

كما يدفع هذا التباين السوق نحو الإفراط في التفاؤل مع أي إشارات للسلام، إذ إن العوائد المحتملة من اتخاذ مراكز شرائية تحسباً للحل ضخمة لدرجة تجعل المتداولين يندفعون وراء أخبار التهدئة بشكل أقوى مما تبرره الأساسيات الجيوسياسية. كما أن فرضية تسعير الأسواق المسبق لهذه الإعلانات لا تنطبق هنا، نظراً لأن الوضع ديناميكي وغير مستقر.

انحصار الصراع جغرافياً في وعي السوق 

بحلول منتصف مارس، كانت الأسواق قد حسمت المسألة الاستراتيجية، الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يظل محصوراً بشكل عام، مع بقاء مضيق هرمز أداة الضغط الرئيسية، وليس حرباً إقليمية شاملة.

ورغم الهجمات الإيرانية التي استهدفت بعض دول الجوار الخليجية، فإن الانخراط العسكري المباشر لهذه الدول ظل محدوداً.وباتت هذه الفرضية مستقرة في تسعير الأسواق، دون أن تتغير مع خبر جديد.

أما المسألة التكتيكية المتمثلة في مدى صمود وقف إطلاق النار أو تراجع الأطراف عن الاتفاق، فتظل غير قابلة للحسم، نظراً لأن كل إعلان يطغى على مشهد عسكري ودبلوماسي متقلب. إن انهيار وقف إطلاق النار للمرة الحادية عشرة لا يجعل من النبأ الثاني عشر أقل أهمية، نظراً لأن المعطيات الأساسية قد تتغير في كل مرة. 

عند تطبيق معدل التفاعل المُعدَّل لقياس التقلبات، على مستويات التذبذب المرتفعة المصاحبة للعمليات القتالية، فإن أي خبر رئيسي يخص خام غرب تكساس الوسيط قد يحرك الأسعار بنحو 2.3%، مقارنة بـ 1.1% في الوقت الراهن. 

وهذا السيناريو ليس افتراضياً. كون التقلبات الحادة المرتبطة بالحرب لا تزال مستمرة. تتواصل المحادثات، لكن الطرفين تبادلا إطلاق النار خلال الأيام الماضية. ونُقدّر أن احتمالية العودة إلى توجيه ضربات عسكرية باتت مرجحة بشكل متزايد.

سيناريوهات عودة حرب إيران

تسعّر الأسواق حالياً سيناريو نشوب صراع محدود، مع بقاء المضيق مغلقاً فعلياً وعدم مرور سوى عدد محدود من السفن بالتنسيق مع إيران.

أي مسار تصعيدي كفيلٌ بإجبار الأسواق على إعادة تسعير هذه الفرضية، علاوة على مضاعفة حدة تفاعل الأسعار مع الأخبار بمقدار الضعف وفق سيناريو الأساس لدينا. 

الخلاصة: ما زالت الأسواق تتعامل مع كل عنوان إخباري صادر عن البيت الأبيض بالثقل ذاته المشهود في مارس، إذ تعكس التحركات السعرية المحدودة حالة من الهدوء والاستقرار تهيمن على السوق، وليس تراجعاً في مستوى الحساسية تجاه التطورات.

إذا اشتعلت الحرب مجدداً، فإن عودة التقلبات المرتفعة واستمرار الغموض الاستراتيجي قد يدفعان تفاعلات السوق مع الأخبار إلى مستويات أكبر بكثير مما يتوقعه سيناريو الأساس لدينا.