
في كل مرة يُطرح فيها حديث جديد عن “خارطة طريق” أو “اتفاق مرتقب” أو “مرحلة قادمة”، يعود السؤال الفلسطيني ذاته: ما قيمة أي خطة إذا كان من يطرحها لا يملك القدرة على تنفيذها أو إلزام الاحتلال بها؟
القضية لم تعد أزمة أفكار أو نقصًا في المبادرات السياسية، بل أزمة ثقة عميقة تراكمت عبر سنوات من الوعود المؤجلة والاتفاقات غير المكتملة. فما الذي يمكن أن يعنيه الحديث عن مستقبل جديد، بينما التفاهمات السابقة ما زالت عالقة، والالتزامات التي تم الاتفاق عليها في المرحلة الأولى جرى التهاون في تنفيذها أو الالتفاف عليها؟
المشكلة اليوم ليست فقط في النصوص المكتوبة، بل في غياب القوة السياسية والقانونية القادرة على تحويل هذه النصوص إلى واقع. لذلك، فإن أي خطاب جديد لا يحمل ضمانات واضحة وآليات إلزام حقيقية، يبدو بالنسبة لكثير من الفلسطينيين مجرد “حبر على ورق”، أو نسخة جديدة من إدارة الأزمة بدل حلّها.
الأخطر من ذلك هو اللغة المنحازة التي تُستخدم أحيانًا لوصف المشهد، حين يجري اختزال القضية الفلسطينية في “جماعات مسلحة تسيطر على الحكم”، وكأن أصل المأساة ليس الاحتلال والحصار والحرب المستمرة، بل فقط طبيعة القوى الموجودة على الأرض. هذا الخطاب لا يعكس فقط انحيازًا سياسيًا، بل يتجاهل السياق الكامل الذي أوصل غزة إلى هذا الواقع.
وفي المقابل، قدّم الفلسطينيون تنازلات ضخمة وأثمانًا باهظة. فهناك ملفات حساسة تم التعامل معها ضمن التفاهمات، وهناك خسائر بشرية ومجتمعية هائلة، إضافة إلى حالة الاستنزاف المستمر الناتجة عن الحرب والاختراقات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية. ومع ذلك، لم تتوقف آلة الحرب، ولم تُحترم الالتزامات بالشكل المطلوب، ولم يشعر الناس أن هناك شريكًا دوليًا قادرًا على فرض الحد الأدنى من العدالة أو التوازن.
هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل المطلوب من الفلسطيني أن يقبل بأي شيء يُقال فقط لأنه يعيش في حالة ضعف؟ وهل الواقعية السياسية تعني التسليم بكل الطروحات حتى لو أثبتت التجارب السابقة فشلها؟
الحقيقة أن الرفض وحده لا يكفي، كما أن القبول الأعمى لا يصنع حلًا. المطلوب اليوم ليس الهروب إلى “وهم سياسي” جديد، بل البحث عن مسار مختلف يقوم على الوضوح والضمانات والمحاسبة. أي اتفاق أو خارطة مستقبلية يجب أن تكون مرتبطة بآليات تنفيذ واضحة، وجدول زمني محدد، وضمانات دولية حقيقية، لا مجرد بيانات وتصريحات.
الفلسطيني اليوم لا يبحث عن شعارات، بل عن معنى حقيقي لفكرة “الحل”. يبحث عن شيء يمكن الوثوق به بعد سنوات طويلة من الخيبات. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط استمرار الحرب، بل أن يتحول الوهم السياسي إلى حالة دائمة يُطلب من الناس التعايش معها باعتبارها “الخيار الوحيد الممكن”.
ما يجري اليوم ليس نقاشًا حول تفاصيل اتفاق، بل معركة على الحقيقة نفسها: هل هناك فعلًا إرادة لإنهاء المأساة، أم أن المطلوب فقط إدارة الخراب إلى أجل غير معلوم؟