
خاص صدى نيوز: أكد محللون اقتصاديون أن التوجه الإسرائيلي المعلن لتحويل جزء من أموال المقاصة إلى "مجلس السلام" في قطاع غزة يُعد سابقة خطيرة تهدف إلى تقويض الكيانية الفلسطينية.
وقال المحللون لـ"صدى نيوز" إن خطوة من هذا القبيل في حالة تنفذيها ستشكل مزيداً من الضغط المالي على السلطة الفلسطينية، مؤكدين أن هذه الأموال هي من حق الشعب الفلسطيني ولا يحق لأي جهة، سواء كانت إسرائيل أو الولايات المتحدة، التصرف بها تحت أي ظرف.
يؤكد الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو الروس بأن تحويل أموال المقاصة المحتجزة الاحتلال إلى "مجلس السلام" سيكون له تداعيات كبيرة في حالة تنفيذه، مشيراً إلى أن تشكيل "مجلس السلام" جاء برعاية أمريكية على أن يتم تمويله دولياً بقيمة (10) مليارات دولار، ولكن الحديث الإسرائيلي عن تحويل أموال المقاصة إلى قطاع غزة سيسهم في إضعاف السلطة الفلسطينية مالياً، بالإضافة إلى أن السلطة تقوم أساساً بدفع رواتب العاملين في قطاعي التعليم والصحة وعدة قطاعات خدمية في قطاع غزة من الإيرادات العامة ومنها المقاصة التي تشكل ثلثي تلك الإيرادات، ولذلك إذا تم تنفيذ هذه الخطوة يعني تحميل السلطة الفلسطينية عبئاً مالياً جديداً من خلال تحويل معظم إيراداتها إلى قطاع غزة مع الإبقاء على الأعباء الملقاة عليها في رواتب الموظفين سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة.
ويرى أبو الروس أن هذه التوجه يمثل سابقة خطيرة، بحيث أصبحت "إسرائيل" تتلاعب بأموال الشعب الفلسطيني، في حالة تحويلها إلى قطاع غزة يعني بأنها حررت نفسها من مطالبات السلطة الفلسطيينة للإفراج عن تلك الأموال.
ويؤكد أنه في حالة تنفيذ هذا التوجه سيخلق إرباكاً كبيراً للسلطة الفلسطينية على صعيد إعداد الموازنات وتنفيذها سواء لهذا العام أو للأعوام المقبلة، منوهاً إلى أن الضبابية حول أموال المقاصة ستصعب من مهمة المُشرع الفلسطيني في بناء الموازنات نظراً للغموض حول قيمة الأموال التي ستصل للخزينة العامة، وهذا سيخلق حالة إرباك وتشوه في البيانات المالية المقدرة للأعوام المقبلة القائمة أساساً على الجباية المتوقعة من المقاصة.
ويشير أبو الروس إلى أن هذه الخطوة في حال تنفيذها من شأنها أن تخرج "إسرائيل" من عنق الزجاجة من خلال مزيد من الخنق المالي على السلطة الفلسطينية.
بدوره، يقول مؤيد عفانة الباحث والخبير في المالية العامة إن الأخبار المتداولة بشأن مباحثات بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لتحويل جزء من أموال المقاصة المحتجزة لدى إسرائيل إلى "مجلس السلام" في قطاع غزة، خطيرة جدا، وهي، حال تمت، تطور دراماتيكي وخطير في قرصنة أموال وحقوق الشعب الفلسطيني المالية، وذلك كون إيرادات المقاصة هي المكوّن الرئيس للموازنة العامة في فلسطين، وهي ليست منحة من الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أي جهة كانت، بل هي أموال فلسطينية خالصة تعود للخزينة العامة، وهي ضرائب يدفعها المواطن الفلسطيني على السلع والخدمات المستوردة من إسرائيل أو من خلالها، ويضيف: "لا يحق لأي جهة، سواء كانت إسرائيل أو الولايات المتحدة، التصرف بها تحت أي ظرف".
ولفت عفانة إلى أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 بشأن قطاع غزة وإنهاء الحرب، نص بشكل واضح على دعوة البنك الدولي وسائر المؤسسات المالية إلى تيسير وتوفير الموارد المالية لدعم إعادة إعمار غزة وتنميتها، بوسائل منها إنشاء صندوق استئماني مخصص لهذا الغرض تديره الجهات المانحة. وليس من إيرادات المقاصة.
وفي هذا السياق، أوضح عفانة أن إيرادات المقاصة حق للخزينة العامة، وهي مجمعة من دافعي الضرائب الفلسطينيين، وليست منحة أو هبة من أحد، ولا يحق لأحد التصرف بها إلا الفلسطينيين أنفسهم، وإسرائيل تجبيها بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي، مقابل عمولة إدارية مقدرها (3%) ولا تملك أي حق بالتصرف بتلك الإيرادات.
ولفت إلى أن السلطة الفلسطينية، ورغم قرار "الكابينت" الإسرائيلي بحجز مخصصات قطاع غزة من إيرادات المقاصة منذ شهر تشرين الأول 2023، وبقيمة (275) مليون شيقل شهرياً، استمرت بدفع مخصصات قطاع غزة وخاصة رواتب الموظفين، والخدمات الأساسية الممكنة، وبالتالي الأموال المحتجزة هي من إيرادات الشعب الفلسطيني وليس مبالغ ستدفع لقطاع غزة.
كما أشار إلى أن "مجلس السلام" ومنذ تشكيله لم يقم بشيء ملموس تجاه إعادة الإعمار أو التخفيف عن كاهل أهلنا في قطاع غزة، ولم يقم بدفع رواتب الموظفين، والصورة ضبابية في التزاماته القادمة، وبالتالي فإن تحويل أي مبالغ له من إيرادات المقاصة لا معنى له.
وحسب تقديرات عفانة، فإن هذه الأخبار ليست مستبعدة في ظل سياقين رئيسيين: أولهما تمويل "مجلس السلام"، وثانيهما وهو الأهم زيادة الضغط الاقتصادي على الفلسطينيين بهدف تقويض الكيانية الفلسطينية، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المالية، وصولاً إلى الضغط لتقبل أي حلول قادمة، خاصة وأن إيرادات المقاصة تشكل نحو 68% من الإيرادات العامة، ما يجعل فقدانها أو التصرف بها خارج إطار السلطة الفلسطينية تهديداً مباشراً لقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، سواء تجاه الموظفين أو القطاع الخاص أو القطاع المصرفي، والأخطر يكمن في احتمال تحويل أجزاء من الإيرادات مستقبلاً، ما يعني فقدان الخزينة لثلثي مواردها، والدخول في حالة شلل للمالية العامة.
وأكد عفانة ضرورة عدم الانتظار، واجتراح استراتيجية وطنية شاملة للدفاع عن حقوقنا المالية، تقودها الحكومة بالتكامل مع القطاع الخاص والقطاع المصرفي والمؤسسات الأهلية، لمواجهة قرصنة أموال المقاصة، وعبر حشد الدعم الدولي، خاصة من الدول الصديقة والاتحاد الأوروبي، من أجل وقف أي إجراءات تستهدف هذه الأموال.
وكانت وكالة "رويترز" كشفت مؤخراً أن الولايات المتحدة تدرس مطالبة إسرائيل بتحويل جزء من عائدات الضرائب التي تحجبها عن السلطة الفلسطينية، إلى "مجلس السلام" الذي شكله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وذلك لتمويل خطته لمرحلة ما بعد الحرب في غزة.
وأوضح الوكالة أن إدارة ترامب لم تحسم أمرها بعد بشأن تقديم طلب رسمي إلى إسرائيل.
وأفادت الوكالة أن المقترح ينص على تخصيص جزء من عائدات الضرائب لحكومة انتقالية مدعومة من الولايات المتحدة في غزة، وجزء آخر للسلطة الفلسطينية في حال قيامها بإجراء إصلاحات.
وتقدر السلطة الفلسطينية قيمة الضرائب المحتجزة بنحو (5) مليارات دولار.
ويرى الخبير الاقتصادي د. سعيد صبري أن تحويل أموال المقاصة إلى ما يسمى بـ"مجلس السلام" لا يمكن النظر إليه كإجراء مالي عادي، بل كتحول سياسي واقتصادي خطير يمس جوهر السيادة الفلسطينية. فالمقاصة ليست مجرد أموال تُحوّل شهريًا، بل تمثل المصدر الرئيسي لتمويل السلطة الفلسطينية، وتشكل ما يقارب 60-70% من إيراداتها العامة، وبالتالي فإن أي محاولة لإعادة توجيهها تعني عمليًا إعادة تشكيل موازين القوة والقرار داخل النظام الفلسطيني.
ويضيف: "على المستوى المباشر، فإن أي اقتطاع أو تحويل لهذه الأموال سيقود إلى أزمة مالية خانقة، تبدأ من عدم قدرة الحكومة على دفع الرواتب بشكل منتظم، مرورًا بتراجع الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وصولًا إلى أزمة سيولة حقيقية داخل القطاع المصرفي الفلسطيني. وهذا سينعكس فورًا على الأسواق المحلية، مع انخفاض القدرة الشرائية وتراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات الركود والبطالة".
لكن د.صبري يعتقد أن الأخطر من الجانب المالي هو البعد السياسي الكامن وراء هذه الخطوة. فحين يتم تحويل المقاصة إلى جسم إداري خارج إطار السلطة الفلسطينية، فإن ذلك يعني عمليًا تجاوز المؤسسات الرسمية الفلسطينية ومحاولة خلق بدائل مالية وإدارية جديدة، بما يضعف وحدة القرار السياسي والاقتصادي الفلسطيني، ويفتح الباب أمام تعميق الانقسام المؤسسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
ونوه إلى أن هذه الخطوة تأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد الفلسطيني أصلًا من ضغوط غير مسبوقة؛ من تراجع النمو وارتفاع الفقر إلى أزمة السيولة وضعف الاستثمار. وبالتالي فإن أي صدمة إضافية قد تدفع الاقتصاد نحو مرحلة أكثر هشاشة وتعقيدًا.
ويؤكد أنه في ظل هذه المعطيات، لم يعد التعامل مع الأزمة بمنطق "إدارة الوقت" كافيًا، بل بات مطلوبًا التحرك سريعًا نحو خطة إنقاذ اقتصادي وطنية، تعزز الإنتاج المحلي، وتحمي القطاع المصرفي، وتقلل الاعتماد المفرط على المقاصة، وتبني شبكات أمان مالية عربية ودولية قادرة على دعم صمود الاقتصاد الفلسطيني أمام أي محاولات مستقبلية لإعادة توظيف الاقتصاد كأداة ضغط سياسية.