في السياسة الفلسطينية، لا تُقاس مشاركة النساء بعدد المقاعد فقط، بل بموقع المقعد نفسه. فالفارق بين أن تكون المرأة عضواً وبين أن تكون صانعة قرار، يشبه الفارق بين الجلوس في القاعة… وبين امتلاك القدرة على تحديد جدول الأعمال.

انتخابات الأطر القيادية الأخيرة داخل حركة فتح لم تكن مجرد استحقاق تنظيمي، بل لحظة اختبار لسؤال مؤجل منذ عقود:هل اقتربت المرأة الفتحاوية من مركز القوة… أم توسّعت دائرة المشاركة دون أن يتغير مركز القرار؟

أين تقع السلطة داخل فتح فعلاً؟

لفهم معنى الفوز، يجب أولاً فهم هندسة القرار داخل الحركة:

• اللجنة المركزية: مركز صناعة القرار السياسي والاستراتيجي الفعلي. 

• المجلس الثوري: مساحة رقابة وتمثيل وتنظيم، لكنه ليس صاحب القرار التنفيذي النهائي. 

بمعنى آخر: ليس كل صعود تنظيمي انتقالاً إلى السلطة، وبعض المواقع تمنح الصوت… دون أن تمنح القدرة على الحسم.

الأرقام… وما لا تقوله الأرقام
المجلس الثوري (80 عضواً)
•    النساء: 16 
•    النسبة: 20% 

هذه نسبة متقدمة مقارنة بتاريخ الحركة، وتشير إلى تحول مهم: النساء لم يعدن حضوراً فردياً رمزياً، بل أصبحن كتلة سياسية مرئية.

لكن الواقعية تفرض ملاحظة أساسية: المجلس الثوري يؤثر في النقاش السياسي أكثر مما يحدد اتجاه القرار.

اللجنة المركزية (18 عضواً)
•    النساء: امرأتان فقط 
•    النسبة: 11% 

وهنا تظهر الحقيقة السياسية بوضوح: كلما اقتربنا من مركز القرار… تراجعت نسبة النساء. هذه ليست مفارقة عابرة، بل انعكاس لطبيعة إنتاج القيادة داخل فتح.

المشكلة ليست في النساء… بل في بنية السلطة

القيادة داخل الحركة لا تُبنى فقط عبر الانتخابات، بل عبر عناصر متراكمة تاريخياً:
•    شرعية تنظيمية طويلة الأمد 
•    شبكات علاقات داخلية 
•    خبرة أمنية وسياسية ممتدة 
•    توازنات بين أجيال ومراكز نفوذ 

وهذه مسارات تطورت تاريخياً في بيئة سياسية ذكورية، ما يجعل دخول النساء إلى مركز القرار عملية أبطأ بكثير من دخولهن إلى الهياكل التنظيمية.

لماذا ارتفع الحضور النسوي الآن؟
السبب ليس تحولاً نسوياً مفاجئاً داخل الحركة، بل تغير البيئة السياسية حولها:
1.    المجتمع الفلسطيني تغيّر أسرع من مؤسساته السياسية 
2.    جيل جديد أقل ارتباطاً بالتراتبية التنظيمية التقليدية 
3.    حاجة فتح إلى تجديد شرعيتها المجتمعية في ظل تراجع الثقة السياسية 

بمعنى واقعي: لم تُنتخب النساء فقط لأن الحركة أصبحت أكثر مساواة، بل لأن الحركة تحتاج إلى وجوه قادرة على إعادة وصلها بالمجتمع.

من الرمزية إلى الوظيفة السياسية

لسنوات طويلة، حضرت المرأة الفلسطينية في السردية الوطنية كرمز للنضال والصمود. لكن داخل القرار السياسي بقي حضورها محدود التأثير.

اليوم يحدث تحول مختلف: القيادة النسوية لم تعد مجرد صورة تمثيلية، بل تُطرح كخيار وظيفي لإدارة مجتمع يعيش تحت ضغط دائم. ليس لأن النساء بديل أيديولوجي… بل لأن السياسة الفلسطينية نفسها تغيّرت.

نحن في مرحلة "سياسة النجاة"

الواقع السياسي الفلسطيني لم يعد يعمل بمنطق المشروع الوطني الكلاسيكي، بل بمنطق إدارة الأزمات المستمرة:
•    بطالة مرتفعة 
•    اقتصاد هش 
•    فجوة أجيال واضحة 
•    تراجع المشاركة السياسية 
•    مجتمع يتغير أسرع من قياداته 

في هذا السياق، تصبح القيادة القادرة على التواصل المجتمعي ميزة سياسية حقيقية، وهنا يظهر صعود النساء كاستجابة وظيفية أكثر منه تحولاً أيديولوجياً.

ما الذي لم يتغير بعد؟
رغم التقدم الواضح، تبقى حدود التحول قائمة:
•    النساء ما زلن أقلية في مركز القرار التنفيذي 
•    الملفات السيادية والأمنية ما تزال ذكورية التوزيع 
•    النفوذ السياسي يتراكم أبطأ بكثير من التمثيل الانتخابي 

وهذه ليست خصوصية فتح، بل نمط سياسي عربي واسع: النساء يدخلن السياسة أسرع مما يدخلن السلطة.

التغيير الحقيقي: المؤسسة أم النساء؟
التحول الأهم قد لا يكون دخول النساء إلى المؤسسة، بل بداية اضطرار المؤسسة نفسها للتكيف مع مجتمع مختلف. فالنموذج القيادي التقليدي القائم على التاريخ التنظيمي وحده لم يعد كافياً لإنتاج الشرعية السياسية.

وهنا تحديداً تكمن اللحظة الجديدة: النساء لا يغيّرن فقط شكل القيادة… بل قد يسرّعن إعادة تعريفها.

الاختبار يبدأ بعد الفوز
التاريخ السياسي مليء بنساء فزن بالمقاعد دون أن يمتلكن النفوذ. الخطر الحقيقي ليس ضعف التمثيل، بل تحوّله إلى واجهة بلا تأثير. والسؤال العملي اليوم ليس عدد النساء المنتخبات، بل:

•    هل سيشاركن في القرار السياسي والاقتصادي والأمني؟ 

•    أم سيُعاد حصر أدوارهن في الملفات الاجتماعية فقط؟ 

لأن أي تعريف ضيق للسياسة يعني بقاء السلطة مغلقة مهما اتسعت المشاركة.

ما الذي حدث فعلاً؟

انتخابات فتح الأخيرة لم تصنع ثورة نسوية، لكنها كسرت قاعدة قديمة: لم يعد غياب النساء عن القيادة أمراً بديهياً.

هذا ليس انتصاراً كاملاً… ولا مجرد رمزية. إنه بداية مرحلة اختبار: هل تستطيع المرأة أن تصبح جزءاً من تعريف القيادة الفلسطينية نفسها؟ فالأسئلة الكبرى لم تُحسم بعد، لكن شيئاً واحداً تغيّر فعلاً: السلطة لم تعد ثابتة كما كانت… بل بدأت قابلة لإعادة التعريف.