صدى نيوز -نشرت دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية" مؤشر أسعار المستهلك لشهر أبريل المنصرم، والذي تم وصفه بـ"التاريخي"، بعد أن سجلت الأسعار ارتفاعاً حاداً بنسبة 1.2% خلال شهر واحد فقط، في قفزة غير مسبوقة لم تُسجل منذ 18 عاماً. وجاء هذا الارتفاع الاستثنائي مدفوعاً بالصعود الحاد في أسعار تذاكر الطيران وتداعيات الحرب المستمرة

وهذا المؤشر يعد تاريخياً لسبب آخر يكمن في الانخفاضات التي تضمنها؛ ففي مؤشر أبريل، تراجعت أسعار السلع القابلة للتداول (باستثناء الطاقة) إلى ما دون الصفر لأول مرة منذ خمس سنوات، ما يعني تسجيل انخفاض في أسعار السلع القابلة للتداول بنسبة 0.4% خلال العام الماضي، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "كالكاليست" العبرية وترجمه اقتصاد صدى،.

وتُعرف المنتجات القابلة للتداول إجمالاً بأنها السلع التي يمكن استيرادها من الخارج، وليس غريباً أن تنخفض أسعارها هناك، إذ كان من المفترض أن تُباع المنتجات المستوردة بأسعار مخفضة نتيجة ارتفاع قيمة الشيكل بنسب كبيرة خلال العام الماضي. وبالنظر إلى التفاصيل، نجد أن 45 سلعة من أصل 115 يشملها المؤشر (وتمثل نحو 19% من السلة الاستهلاكية) قد شهدت انخفاضاً في أسعارها خلال الأشهر الـ13 الماضية. ويعود اختيار هذه الفترة إلى أن قيمة الشيكل بدأت بالارتفاع الفعلي في أبريل 2025، لذا جرى إدراجها في الحسابات الاقتصادية.

وتشير البيانات إلى أن معظم السلع التي شهدت انخفاضاً في الأسعار (بنسبة 89%) هي سلع قابلة للتداول؛ ومن بين الأمثلة على ذلك: انخفاض أسعار الملابس الخارجية النسائية بنسبة 16.9%، وأسعار الألعاب بنسبة 1.5%، وتراجع أسعار أنواع مختلفة من الأجهزة الكهربائية بأكثر من 4%. ورغم ذلك، فإن هناك العديد من السلع القابلة للتداول التي استمرت أسعارها في الارتفاع، ولم يُسجل الانخفاض السنوي في أسعار السلع القابلة للتداول ككل إلا في الشهر الماضي؛ فعلى سبيل المثال، ارتفعت أسعار المجوهرات والساعات والإكسسوارات بنسبة 12.2% خلال الأشهر الـ13 الماضية، والقهوة والكاكاو بنسبة 5.8%، والأحذية الرجالية بأكثر من 4.3%.

أن قوة الشيكل تكبح التضخم بشكل ملحوظ وتجعل تقلبات الأسعار أكثر اعتدالاً. ومع ذلك، فإن تأثير قوة العملة لم ينتهِ بعد، ومن المتوقع أن يستمر في خفض الأسعار وكبح التضخم ليمتد في نهاية المطاف إلى أسعار السلع والخدمات غير القابلة للتداول (المحلية)؛ فعلى سبيل المثال، تظل الأجور في قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك) ثابتة نتيجة قوة الشيكل، مما يضعف القوة الشرائية في السوق، وهو ما سينعكس كبحاً لأسعار الإيجارات والخدمات المحلية كقصات الشعر وغيرها، والتي لن تتمكن من الاستمرار في الارتفاع، كما ترجم اقتصاد صدى.

"عند الاعتماد على التمييز بين السلع القابلة للتداول وغير القابلة للتداول، تظهر صورة أدق للتضخم؛ ففي قطاع السلع القابلة للتداول (باستثناء الطاقة) هناك انخفاض في الأسعار، بينما في قطاع السلع والخدمات المحلية يكون التضخم أعلى مما يبدو، حيث بلغ 2.81% خلال الـ12 شهراً الماضية، وهو قريب جداً من الحد الأعلى المستهدف للتضخم. ومن بين السلع المحلية، يبرز قطاع الإسكان الذي يواصل الارتفاع بنسبة 3.3% سنوياً، وقطاع السلع المتنوعة بنسبة 3.8%. ويوجد حالياً فارق تاريخي يبلغ نحو 3.23% بين تضخم السلع القابلة للتداول وتضخم السلع المحلية، وينبغي أن يتقلص هذا الفارق مستقبلاً لصالح كبح أسعار السلع المحلية. بناءً على هذه الصورة، قد يخاطر "بنك إسرائيل" ويخفض أسعار الفائدة في وقت مبكر من الأسبوع المقبل، بافتراض أن الشيكل سيظل قوياً ويواصل كبح جماح التضخم".

هذه ليست الصورة الكاملة للوضع الاقتصادي؛ إذ إن المتغير الذي يُحدث تغييراً جذرياً هو أسعار الطاقة، والتي دفعت مؤشر السلع القابلة للتداول إلى الارتفاع مجدداً. وقد أدت الزيادات في أسعار الطاقة وحدها إلى رفع معدل أسعار السلع القابلة للتداول بنسبة 0.7% (أي حولته من انخفاض بنسبة 0.4% إلى ارتفاع بنسبة 0.3%). كما قفز مؤشر أسعار الطاقة السنوي من انخفاض بنسبة 0.2% في مؤشر مارس إلى ارتفاع سنوي بنسبة 5.3% في مؤشر أبريل. وهذا يعني أن أسعار المنتجات المستوردة تقع تحت تأثير قوتين متعاكستين: الشيكل الذي يدفع الأسعار نحو الانخفاض، وأسعار الطاقة التي تدفعها نحو الارتفاع.

وتكتسب هذه النقطة أهمية كبرى لما تحمله من أبعاد اقتصادية ونفسية؛ إذ يوجد حالياً ضغط شعبي قوي على المستوردين لخفض الأسعار ونقل أثر انخفاض التكاليف إلى المستهلكين (حيث يشتري المستوردون بالدولار الذي أصبح أرخص بالنسبة لهم كون دخلهم بالشيكل). في المقابل، يتردد المستوردون في خفض الأسعار تذرعاً بأن الأسعار العالمية مرشحة للارتفاع، وإذا خفضوا الأسعار الآن فلن يتمكنوا من رفعها لاحقاً.

ومن زاوية أخرى، فإن آلية خفض الأسعار ترتبط أساساً بالمنافسة وخوف المستورد من قيام منافسيه بخفض الأسعار أو دخول مستوردين جدد إلى السوق. وفي ظل حالة عدم اليقين السائدة بشأن أسعار الطاقة، يقل الخوف من السلوك التنافسي، إذ يتساءل المستثمرون: من سيتجرأ على فتح مشروع استيراد جديد الآن أو الإقدام على خفض الأسعار دون معرفة ما يحمله الغد؟

ورغم أن "بنك إسرائيل" أشار سابقاً إلى أن أسعار الطاقة العالمية أقل تأثيراً على السوق المحلية نظراً لامتلاك الغاز الطبيعي، إلا أنه يتضح الآن بأن أسعار الطاقة باتت ذات أهمية بالغة كونها تؤثر مباشرة على السلع المستوردة التي تعتمد عليها خطط كبح التضخم. وعادة ما تركز البنوك المركزية على التضخم المحلي (السلع غير القابلة للتداول) لأنه يشير إلى تجذر التضخم، وهو لا يزال مرتفعاً. لكن العلاقة بين التضخم المستورد والتضخم المحلي قوية جداً؛ وموجة التضخم الحالية التي بدأت في منتصف عام 2021 نتجت جزئياً عن ارتفاع أسعار السلع العالمية والطاقة، مما انتقل لاحقاً إلى الأسعار المحلية، وفقاً لترجمة اقتصاد صدى.

"حسابات معقدة لبنك إسرائيل"

سيواجه "بنك إسرائيل" صعوبة بالغة في خفض أسعار الفائدة في اجتماعه القادم، ويعود ذلك أساساً إلى حالة عدم اليقين المحيطة بأسعار الطاقة واحتمالات التصعيد العسكري. ومع ذلك، يجد البنك المركزي نفسه لأول مرة منذ فترة طويلة في وضع معقد للغاية يتعلق بالنشاط الاقتصادي؛ ففي السابق، كانت رسائل البنك تشير إلى أن الاقتصاد قوي وقادر على تحمل الفائدة المرتفعة استناداً إلى انخفاض البطالة ومؤشرات النمو المشجعة، أما الآن فالوضع أكثر تعقيداً، وقد تشير أرقام النمو للربع الأول التي نُشرت مؤخراً إلى وجود مجال لتحفيز الاقتصاد بشكل طفيف، وخاصة ما يتعلق ببيانات الصادرات.

وقد حملت بيانات الربع الأول من عام 2026 مفاجأة اعتُبرت "سارة" رغم كونها سلبية، إذ كان المتوقع أن تكون الأضرار الاقتصادية الناجمة عن حرب "هاري الهادرة" أكبر بكثير؛ حيث قدرت وزارة المالية سابقاً انخفاض النمو في الربع الأول بنسبة 9.5% على أساس سنوي، لكنه انخفض بنسبة 3.3% فقط. وتظهر هذه البيانات أن قطاعات الاقتصاد تعلمت التكيف والعمل في ظل ظروف الحرب، وليس لأن هناك محرك نمو جديد قد ظهر.

و"سيتعين على "بنك إسرائيل" دراسة قطاع الصادرات بعناية؛ فقد شهدت صادرات الخدمات انخفاضاً ملحوظاً (ولم ينشر مكتب الإحصاء الرقم الدقيق لانخفاض صادرات التكنولوجيا المتقدمة وحدها، بل ذكر أن مجمل صادرات الخدمات، التي تشكل التكنولوجيا المتقدمة عصبها الأساسي، تراجعت بنسبة 13.2% على أساس سنوي). ويطرح هذا تساؤلاً جوهرياً: هل بدأت قوة الشيكل بالفعل في الإضرار بمحرك الاقتصاد الأساسي؟ يصعب الجزم بذلك في ظل وجود زيادة ملحوظة في الاستثمارات بقطاع "الهايتك"، ومع ذلك، فإن هذه المؤشرات التحذيرية ستبقى تحت المجهر والدراسة العميقة من قبل البنك المركزي في الفترة المقبلة"، بحسب ما ورد في ترجمة اقتصاد صدى.