
ما يحدث في غزة اليوم لا يبدو مجرد جولة عسكرية عابرة يمكن أن تنتهي باتفاق تهدئة أو صفقة تبادل، بل أقرب إلى مرحلة طويلة يجري فيها إعادة تشكيل القطاع جغرافياً وأمنياً وسياسياً بصورة تدريجية. الخطورة لا تكمن فقط في حجم الدمار أو عدد الضحايا، بل في طبيعة التحولات التي تحدث على الأرض بهدوء وتراكم مستمر.
في السابق، كانت الحروب على غزة تقوم على فكرة “الضرب ثم الانسحاب”، أي عمليات عسكرية مؤقتة تنتهي بعودة الأمور ـ ولو جزئياً ـ إلى ما كانت عليه. أما اليوم، فالمشهد يبدو مختلفاً؛ إذ تظهر مؤشرات على محاولة فرض واقع جديد داخل القطاع، واقع يعتمد على السيطرة التدريجية على الأرض، وتغيير شكل غزة وحدود الحركة فيها، وتحويل أجزاء واسعة منها إلى مناطق عازلة أو شبه خالية من السكان.
التوسع الذي يجري الحديث عنه، خصوصاً في المناطق الممتدة نحو شارع صلاح الدين، لا يحمل فقط بُعداً عسكرياً، بل يحمل دلالة سياسية عميقة. فصلاح الدين ليس مجرد شارع رئيسي، بل العمود الفقري الذي يربط شمال القطاع بجنوبه. وعندما يصبح هذا الخط تحت السيطرة أو الضغط الأمني الدائم، فإن غزة عملياً تتحول إلى مناطق منفصلة ومقطعة، يصعب فيها التنقل والحياة وإعادة الإعمار والاستقرار.
الأخطر أن هذا التوسع لا يحدث دفعة واحدة، بل بطريقة تدريجية تجعل العالم يتعامل معه كأمر واقع مع مرور الوقت. في كل مرحلة يُعاد رسم حدود جديدة، ثم تُفرض ترتيبات أمنية جديدة، ثم تتحول هذه الإجراءات المؤقتة إلى وقائع ثابتة. وهنا تكمن خطورة ما يمكن وصفه بـ”الاحتلال الصامت”، أي السيطرة التي لا تُعلن بشكل مباشر كاحتلال كامل، لكنها تتحكم بالأرض والمعابر والحركة والسكان والتفاصيل اليومية للحياة.
وفي ظل استمرار الحرب لفترة طويلة، يصبح المجتمع نفسه منهكاً وغير قادر على مقاومة هذا التحول. الناس تبحث عن الطعام والأمان والمأوى، بينما تتغير الخرائط ببطء من حولهم. ومع الوقت، قد تجد غزة نفسها أمام واقع جديد تماماً: مساحة أصغر، كثافة سكانية أكبر، مناطق أمنية مغلقة، وحضور عسكري دائم تحت مبررات متعددة.
أما سياسياً، فإن استمرار الجمود في المفاوضات يمنح هذا المسار وقتاً إضافياً للتثبيت. فكل تأخير في الوصول إلى اتفاق شامل لا يعني فقط استمرار المعاناة الإنسانية، بل يعني أيضاً منح المجال لتوسيع السيطرة الميدانية وفرض ترتيبات قد يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
وفي المقابل، ما تزال بعض القوى الفلسطينية تتعامل مع المشهد بمنطق أن الصمود وحده كافٍ لتغيير المعادلة، بينما الواقع على الأرض يشير إلى أن الزمن لم يعد عاملاً محايداً. فكل يوم يمرّ يترك أثراً جديداً على الجغرافيا والديموغرافيا والبنية الاجتماعية والنفسية للقطاع.
غزة اليوم لا تواجه فقط خطر الحرب، بل خطر التحول التدريجي إلى كيان محاصر ومجزأ وفاقد للقدرة على الحياة الطبيعية. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقاً فقط بوقف إطلاق النار، بل بشكل غزة الذي سيولد بعد هذه الحرب، وحدود ما سيتبقى من الأرض والسيادة والحياة فيها.