تقرير صدى نيوز: تواجه الحكومة الفلسطينية واحدة من أعقد الأزمات النقابية في تاريخها، حيث اتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل مفاصل حيوية في الدولة، مدفوعة بضغوط مالية ومعيشية لم يعد الموظف العمومي قادراً على تحملها. ففي ظل الارتفاع المتصاعد في أسعار السلع والخدمات، وجد آلاف الموظفين أنفسهم أمام واقع اقتصادي مرير، خاصة بعد تقليص الرواتب وصرف دفعات بلغت 2000 شيكل فقط، وهي مبالغ يصفها الموظفون بأنها لا تغطي الحد الأدنى من احتياجات أسرهم. وزاد من قتامة المشهد حالة الركود التي تضرب الأسواق، وسط توقعات قلقة بأن يتأخر صرف الراتب القادم ليكون قبيل عيد الأضحى المبارك بوقت قصير جداً.

نقابة الأطباء: الحكومة سترى ما لا تتوقعه

ومع هذه التطورات، أعلنت نقابة الأطباء مؤخراً عن إجراءات احتجاجية واسعة أدت إلى توقف العمل في مراكز الرعاية الصحية، مع قصر الخدمات في المستشفيات الحكومية على الحالات الطارئة جداً وعمليات إنقاذ الحياة.

هذه الخطوات جاءت كتعبير عن وصول الحوار مع الحكومة إلى طريق مسدود، حيث طالب نقيب الأطباء صلاح الهشلمون بضرورة إيجاد إدارة فاعلة للأزمة تنصف الكوادر الطبية، قائلاً في تصريحات إذاعية: إن "الحكومة سترى ما لا تتوقعه من الأطباء".

وحذرت النقابة في بيانها من أن استمرار حالة "التعنت" يضع النظام الصحي في مواجهة تدهور خطير يهدد سلامة الخدمات، في وقت تعاني فيه المستشفيات أصلاً من نقص حاد في الأدوية والكوادر وحتى الاحتياجات الأساسية للمرضى، بالتزامن مع تحذيرات المستشفيات الخاصة من انهيار القطاع بسبب تراكم المستحقات المالية على الحكومة لسنوات.

وقبل الأطباء، كانت نقابة المهن الصحية التي تمثل الممرضين، وأطباء المختبرات، والأشعة، والعلاج الطبيعي، أعلنت إضراباً جزئياً.

قطاعات استراتيجية أخرى تنضم للإضرابات

ولم تقتصر حالة الاحتجاج على القطاع الصحي، بل تمددت لتشمل قطاعات استراتيجية أخرى، فقد أعلنت نقابة المهندسين إضراباً شاملاً ومفتوحاً في كافة المؤسسات الحكومية والعسكرية، مؤكدة أن كرامة المهندس وحقوقه المالية غير قابلة للتسويف. وفي السياق ذاته، انضمت اللجنة التأسيسية لنقابة موظفي القطاع العام للفعاليات الاحتجاجية عبر إضراب شامل كخطوة تحذيرية، تزامناً مع إضراب جزئي في جامعة فلسطين التقنية "خضوري" شمل وقف اعتماد العلامات والتسجيل، احتجاجاً على السياسات المالية التي مست حقوق الأكاديميين والموظفين على حد سواء.

وعلى الضفة الأخرى من الأزمة، أصيب النظام القضائي بحالة من الجمود بعد تعليق العمل في المحاكم النظامية، حيث أكد الموظفون أن الظروف المعيشية باتت "أكثر تعقيداً" من القدرة على الاستمرار. وقد أثار صرف مبلغ 5000 شيكل لأعضاء السلطة القضائية من قضاة ونيابة عامة (نحو 350 عضواً) حالة من الجدل الواسع في الشارع النقابي، رغم توضيح مجلس القضاء الأعلى بأن هذه المبالغ صرفت لمرة واحدة من صندوق تطوير القضاء المُفعّل منذ سنوات.

هذا التفاوت في الصرف دفع بحراك المعلمين إلى الدعوة لتصعيد جديد وإغلاق المدارس، في وقت يعيش فيه قطاع التعليم أزمة صامتة منذ بداية العام الدراسي، حيث يعمل المعلمون لثلاثة أيام فقط أسبوعياً مع اختصار كبير في المناهج، مما يثير مخاوف جدية حول جودة التعليم ومستقبل الطلبة.

من جانبه، يرى الجانب الرسمي أن جذور الأزمة سياسية بالأساس، ناتجة عن استمرار إسرائيل في حجز أموال المقاصة والضرائب الفلسطينية التي تقدر بنحو 14 مليار شيكل. ومع غياب هذه التدفقات المالية وتوقفها بشكل كامل منذ عام تقريباً، تبرز تحذيرات سابقة لرئيس الوزراء محمد مصطفى حول "صعوبة الأشهر القادمة" كواقع يفرض نفسه على المشهد العام، تاركاً الحكومة والنقابات والمواطن في مواجهة مفتوحة مع أزمة لا يبدو أن حلولها قريبة في الأفق.