حيفا بتحكي عربي

المشكلة ليست لافتة تجارية ولا قرارا إداريا يتعلق بلغة اليافطات. كانت المسألة أبسط في ظاهرها، وأكثر خطورة في عمقها: امرأة تحدثت بلغتها الأم.

خلال جلسة المجلس البلدي، وقفت عضوة البلدية سالي عبد لتتحدث بالعربية ، اللغة التي يتحدث بها عشرات آلاف من سكان المدينة، والتي سبقت كل تعريف لاحق للهوية فيها. لكن ما جرى بعدها كشف أن النقاش لم يكن حول السياسة، بل حول اللغة نفسها.

لم يُناقش أحد مضمون حديثها، ولم يُواجهها أحد بحجج إدارية أو بلدية. بدلا من ذلك، تحولت العربية إلى هدف مباشر للهجوم. صرخ أحد الأعضاء مطالبا إياها بالذهاب إلى غزة، وطالبها آخرون بإثبات ولائها عبر الخدمة العسكرية، وكأن اللغة أصبحت دليل اتهام لا وسيلة تواصل.

هكذا، وفي دقائق قليلة، انتقلت الجلسة من نقاش إداري إلى محاكمة غير معلنة للهوية.

اللغة التي تُخيف

ليست هذه الحادثة الأولى في حيفا، لكنها من أكثرها وضوحا. فالمدينة التي تُقدَّم غالبًا كنموذج للتعايش، تكشف في لحظات كهذه أن هذا التعايش مشروط: مقبول ما دام الصوت العربي منخفضا، أو مؤجلا، أو مترجما إلى لغة أخرى.

في هذا السياق، لا تُستخدم اللغة كأداة تواصل، بل كإعلان وجود. وعندما تتحدث العربية داخل مؤسسة رسمية، فهي لا تنقل فكرة فقط، بل تؤكد حقيقة بسيطة: أن أصحابها ليسوا ضيوفا عابرين. ولهذا تحديدا يصبح الصوت مزعجا.

من نقاش اللافتات إلى سؤال الانتماء

المفارقة أن الجلسة كانت تناقش موضوع اللافتات في المدينة، أي اللغة المكتوبة في الفضاء العام. لكن الجدل الحقيقي انزلق سريعًا من الحروف إلى البشر: من يحق له أن يظهر أصلا في المجال العام؟

حين تتحول العربية من لغة رسمية معترف بها إلى مادة توتر وغضب، فهذا يعني أن الصراع لم يعد على الشكل، بل على المكان نفسه. الرسالة الضمنية كانت واضحة: يمكنك العيش هنا، لكن لا تتحدث بلغتك كثيرًا.

حيفا التي نعرفها…

حيفا ليست مدينة أحادية. هي مدينة طبقات: عربية، عبرية، متوسطية، عمّالية وثقافية. وفي تاريخها، لم تكن العربية هامشا، بل جزءًا من صوتها اليومي.

لذلك، لا يمكن قراءة ما حدث كحادثة فردية، بل كلحظة كاشفة لطريقة عمل التعايش حين يتحول إلى خطاب بلا مضمون. فالمدن تُقاس أيضا بقدرتها على استيعاب اختلافاتها، لا على إنكارها.

لم تُهاجم عضوة المجلس لأنها خالفت قرارا، بل لأنها كسرت قاعدة غير مكتوبة: العربي المقبول هو العربي الصامت. وحين يتحول الكلام بالعربية داخل مؤسسة رسمية إلى فعل مُستنكر، يصبح الصوت نفسه موضع مساءلة، لا الموقف السياسي.

لماذا هذه اللحظة مهمة؟

لأن ما جرى في المجلس البلدي يتجاوز حيفا. إنه يعكس سؤالا أوسع تعيشه المدن المختلطة: هل التعددية مجرد شعار جمالي؟ أم عقد اجتماعي يسمح لكل فرد أن يكون نفسه دون تبرير؟

إذا كانت اللغة تحتاج إلى شجاعة كي تُقال، فالمشكلة ليست في المتحدث، بل في المكان الذي يخاف سماعها.

حيفا لا تتكلم لغة واحدة، ولم تفعل ذلك يومًا. والمدينة التي تُخيفها العربية ليست حيفا التي يعرفها أهلها، بل نسخة متوترة من نفسها.