
في البدء، لم تكن فتح بندقيةً فقط… بل كانت فكرة.
ولم تكن الفكرة شعارًا… بل كانت روحًا تمشي بين الناس، تعرف أسماءهم وتشبه وجوههم وتُولد من وجعهم وتكبر على أكتاف الشهداء، وتُروى بدماء الأسرى وتُحفظ في ذاكرة الأبطال الذين مرّوا كالأقمار في ليلٍ طويل فأضاءوا الطريق لمن بعدهم.
هكذا وُلدت فتح… وهكذا كتبت مجدها.
بشهداء صنعوا المعنى الأول للكرامة
وبأسرى جعلوا من الزنازين مدارس للصبر
وبمناضلين حملوا الحلم فوق المستحيل ولم يسقطوه رغم كل العواصف.
هي الحركة التي لم تكن يومًا تنظيمًا عابرًا… بل رواية شعب.
كل حجر فيها يشهد
وكل مخيم فيها يتذكر
وكل جيل فيها يسلم الجيل الذي يليه شعلة لا تنطفئ.
اليوم، ونحن نقف على تخوم مرحلةٍ أثقل من كل ما سبق، لا تعود الحاجة إلى إضافة أسماء أو أطر بقدر ما تعود إلى استعادة الروح… إلى إعادة وصل ما انقطع بين المجد الأول والحاضر المتعب، بين ذاكرة الشهداء وصوت الأحياء، بين العتيق الذي صنع المعنى والجديد الذي يحاول أن يفهمه ويحمله بوعيٍ ومسؤولية.
هنا، لا تظهر حماة الفتح كإطارٍ تنظيمي فحسب
بل كحالةٍ تحاول أن تُعيد للروح مكانها داخل الجسد
وكأنها امتداد طبيعي لذاك النور الذي لم ينطفئ في ساحات الشهداء، ولا في صبر الأسرى ولا في عيون من بقوا واقفين حين تعثّر الكثيرون.
إنها ليست استعراضًا
بل وفاءٌ ممتد
ولا هي لحظة منفصلة
بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العطاء.
وفي عمقها، تقف التحية لكل من سهر على بقاء هذا الفجر قائمًا
لكل من آمن أن فتح لا تُختصر بشخص، بل تُختصر بدمٍ،ك وتاريخٍ وتضحياتٍ وبإرادة لا تُكسر.
تحية لكل من حمل الفكرة حين كانت ثقيلة
وكل من صانها حين حاول البعض تبسيطها
وكل من بقي على عهدها حين تغيّرت الأزمنة وتبدّلت الوجوه.
إن حماة الفتح، في معناها الأصدق
هي محاولة لقول إن هذه الحركة التي صنعت مجدها من نار التجربة، ما زالت قادرة على أن تُجدّد نفسها دون أن تفقد جوهرها
وأن العتيق الأصيل فيها ليس ماضٍ يُروى… بل معيار يُبنى عليه
وأن الجديد الفاهم ليس قطيعة… بل امتداد واعٍ يُجيد حمل الإرث دون أن يثقله ويعرف أن المجد لا يُستبدل بل يُستكمل.
فتح التي عرفناها
لم تكن يومًا تبحث عمّن يحميها…
بل كانت دائمًا تُنجب من يحرس معناها
من يسير في دربها كمن يسير في ضوء الشهداء
ومن يرى في الأسرى ذاكرة لا تُنسى
وفي الأبطال وعدًا لا ينكسر.
وفي هذا الامتداد الجميل
تقف حماة الفتح كميلاد جديد داخل الميلاد القديم المجيد
كقمرٍ يطلّ بعد أقمارٍ سبقت
يحمل من نورها ما يكفي ليُكمل الطريق
ويحمل من وعيه ما يكفي ليُدرك أن المجد لا يُورّث فقط… بل يُفهم ويُصان ويُواصل.
وإن كان في هذه اللحظة ما يُقال
فهو أن فتح، رغم كل ما مرّت به
ما زالت قادرة على أن تُدهش نفسها
وأن تُنجب من جديد من يفهمها
ومن يُحبها كما هي… لا كما تُختصر.