
ليس لأننا نريد أن نُسمِع، بل لأن الصمت حين يطول يتحوّل إلى خيانةٍ للمعنى، ولأن الحقيقة حين تُحاصَر لا تجد إلا أن تُقال كاملةً بلا تردد ولا خوف.
نحن الجيل الذي لم يُصنَع في المكاتب بل في المواقف والمدارس والجامعات والمعاهد ولم يتعلّم الانتماء من الشعارات بل من الكلفة، نحن الذين لم نرث الاسم بل دفعنا ثمنه ونحن أبناء حركة فتح حين يكون الانتماء التزامًا حقيقيًا لا ادعاءً عابرًا وحين تكون الحركة فعلًا مستمرًا لا مجرد صورةٍ معلّقة.
نحن لا نطلب مكانًا بقدر ما نرفض أن نُقصى عن مكانٍ نستحقه، ولا نبحث عن دورٍ يُمنح بل نمنع أن يُسرق دورنا باسم التاريخ أو تحت ذريعة الخبرة التي لم تعد تُنتج.
ومن هنا نقولها بوضوحٍ لا يحتمل التأويل: إن لم تؤمنوا بنا سنكفر بكم سنكفر بعقلية الإقصاء التي تضيق بالكفاءة ونكفر بدوائر الاحتكار التي تخشى التغيير ونكفر بكل من يرى في الطاقات الشابة تهديدًا بدل أن يراها فرصةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن المؤتمر الثامن ليس محطةً عابرة في مسار تنظيمي، بل هو لحظة تعريف حقيقية لما ستكون عليه الحركة، إما أن يكون انطلاقةً جديدة تعيد الاعتبار للمعنى أو يتحول إلى محطةٍ تعيد إنتاج العجز بصمتٍ ثقيل.
نحن مع تجديد البيعة لا من باب الواجب البروتوكولي، بل من باب الوفاء الذي يسكننا ومن باب العهد الذي لم ينقطع لفخامة السيد الرئيس ابو مازن ومع الصقور الفتحاويين الذين حملوا الراية في أصعب اللحظات ودفعوا ولا زالوا يدفعون ثمن البقاء والنضال ونحن إذ نُجدد هذه البيعة فإنما نُجدد معها الانتماء ونُعيد التأكيد أن العلاقة ليست علاقة موقعٍ أو مرحلة بل علاقة تاريخٍ ودمٍ ومسار.
ونقولها بصدقٍ كامل: نحن لا نقف في مواجهة أجيال الحركة، بل نقف امتدادًا لها ونحمل ما حمّلَتنا إياه من قيمٍ وتضحيات ونُكبر كل من سبقنا وفتح لنا الطريق ونشكر كل يدٍ حملت هذا المشروع وكل عقلٍ حماه وكل قلبٍ آمن به، فأنتم الأصل ونحن الامتداد وأنتم البدايات ونحن استمرار الحكاية.
لسنا ضد أحد ولا نحمل في قلوبنا إلا الوفاء، فنحن أبناؤكم قبل أن نكون شركاءكم وما نقوله ليس تمردًا بل حرصا وليس رفضًا بل محاولة إنقاذ لأن فتح التي أنجبت ياسر عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف وخالد الحسن وجميع مواكب فتح الأحياء فينا والشهداء عند الله ، لا يمكن أن تقوم لها قائمة إن لم يبقَ ورثتهم الحقيقيون فكرًا ونهجًا وموقفًا حاضرين في قلبها وفي مراكز تأثيرها.
ونتساءل هنا، لا إنكارًا لحق أحد بل حرصًا على العدالة وتكافؤ الفرص ،متى التحقتم بدوائر التأثير والقرار في صفوف الحركة؟ وكم كانت أعماركم حينها؟ وكم موقعًا تولّيتم عبر عقودٍ من الزمن؟ أليس من حق هذا الجيل أن تُفتح له مساحات المشاركة والتأثير كما فُتحت لمن سبقوه؟ وأن يُمنح فرصة الفعل لا أن يُحصر في موقع المتفرج؟
نحن لا ننازع على البيعة ولكننا نؤكد أن البيعة التي تُبنى على أسماء بلا أثر حقيقي هي بيعة شكل لا تحصّن الحركة ولا تدفعها إلى الأمام، بل تُبقيها أقرب إلى الجمود من الحركة.
نريد بيعةً تُشبه فتح في قوتها وتجددها، بيعةً من أصحاب البصمة الواضحة ومن العقول القادرة على إدارة المرحلة القادمة ومن وجوهٍ لم تُثقلها السنوات دون أن تُنتج أثرًا يوازيها.
أما أن يُطلب من جيلٍ كامل أن يكون شاهدًا لا شريكًا، فذلك ليس خللًا عابرًا بل خلل في توزيع الفرص داخل المسار نفسه، يحتاج إلى مراجعة لا إلى إقصاء ولا إلى استبدال بل إلى إنصافٍ يعيد التوازن بين الخبرة والطاقة.
نحن لا نقصي أحدًا ولكننا نرفض أن نُقصى ولا نقبل أن تتحول الحركة إلى دائرة مغلقة ولا أن يُدار المستقبل بعقلٍ يخاف من كل جديد ويكتفي بحراسة الماضي.
هذه الحركة وُلدت لتكون شابةً متجددة، تكسر القوالب وتفاجئ العالم، لا لتكرر نفسها وتدور في ذات الحلقة. فكيف يُعقل أن تُدار بعقلية الاكتفاء بما كان وكيف يُطلب من الزمن أن يتوقف احترامًا لمن لم يعد قادرًا على مواكبته.
نحن نقولها دون تردد: فتح التي لا تتجدد تُخاطر بأن تفقد معناها وفتح التي تُقصي أبناءها تُضعف نفسها بيدها وتفتح الباب لفراغٍ لا يليق بتاريخها ولا بحجم تضحياتها.
نريد مؤتمرًا يُعيد تعريف القوة لا أن يعيد توزيع الضعف، نريد رجالًا ونساءً أعمارهم دون الثمانين مع الاحترام ولكن أعمارهم في الفعل توازي أجيالًا ويحملون الحلم كمسؤوليةٍ يومية لا كذكرى تُروى.
نحن أبناء فتح، نحن الذين إذا حضروا تغيّر المشهد وإذا غابوا غاب المعنى ونحن الذين لا ينتظرون دورهم بل يصنعونه بما يملكون من إرادةٍ وإيمان.
فلا تختبروا قدرتنا على الصمت لأننا لم نُربَّ عليه ولا تدفعونا إلى الهامش لأننا لم نُخلق له وافتحوا الطريق لا مجاملةً لنا بل إنقاذًا لفتح نفسها كي تبقى كما يجب أن تكون.