في مساءٍ فلسطينيٍّ يفيض برائحة الحجر العتيق وندى الدعاء، جلس الرئيس أبو مازن في صدر المشهد وحوله صقور حركة فتح .وجوهٌ حفظت تعب الطريق وتعرف كيف تُخرج من الوجع معنى ومن الحلم راية ومن الانتظار وعدًا.

وكان الليل هذه المرّة أكثر رهافة وكأن القدس نفسها تمشط شعر النجوم فوق أسوارها وتنتظر أن يخرج من المؤتمر صوتٌ يشبه القلب ويحمل رسالة محبةٍ خفيفة تليق بفلسطين وتليق بفتح.

ساد الصمت لحظةً ثم خرج صوت القدس من بين الأسوار، صوتًا مبللًا بالحنين ويشبه الأذان حين يعانق أجراس الكنائس ويشبه دمعة أمٍّ فلسطينية حين ترى علم الوطن يرفرف فوق الصباح.

قالت القدس وأسوارها ترتجف عشقًا:

يا سيادة الرئيس يا رجال فتح ماذا أعددتم لمؤتمرٍ تسأل فيه المدن عن روحها؟

أنا القدس، زهرة المعنى وتاج الحكاية فهل سأبقى نبض النص أم أذوب في ازدحام الكلمات؟

وهل سيصغي المؤتمر هذه المرّة إلى الكفاءات التي تنبت في الأزقة كزهر الليمون وإلى الوجوه الجديدة التي تحمل دفءَ الحلم بدل تعب التكرار؟

تنحنح الأقصى ومالت قبابه نحو الضوء كأنها تصغي لنبض السماء وقال:

أنا لست حجارةً فقط ولست مسجدا فقط، أنا روح الدعاء حين يصعد من الأرض إلى السماء وأنا المعنى الذي يجمع القلوب وأنا أريد من المؤتمر أن يبدأ من القدس، من الحب الأول ومن الوعد الأول ومن فلسطين كما أرادها العظماء .

وردّت كنائس القدس بصوتٍ مضمخٍ بالبخور والرجاء:

ونحن أيضًا هنا نحرس الروح ذاتها ونحمل القيامة كما يحمل الأقصى الإسراء وننتظر من المؤتمر أن يخرج بصورةٍ أجمل عن فلسطين: وطنٌ يعرف كيف يجمع أبناءه بالمحبة ويحفظ قداسة مدنه وكرامة ناسه.

رفع الرئيس أبو مازن رأسه ونظر إلى القدس كما ينظر الأب إلى ابنته البكر وقال بصوتٍ دافئٍ يشبه الطمأنينة:

يا قدس، أنتِ لستِ بندًا في مؤتمر أنتِ قلبه ونوره وأول دمعته وآخر ابتسامته.

فيكِ تبدأ فتح ومن أجلكِ تتجدد وكل شارعٍ فيكِ رسالة وكل حجرٍ على سوركِ معنى.

وهذا المؤتمر يجب أن يفتح أبوابه للكفاءات وللوجوه التي لم يرهقها المشهد وللعقول التي تعرف كيف تحمل الوطن بمحبةٍ وعلمٍ وإخلاص كي يولد من بين صفوفه جيلٌ قياديٌّ جديد يؤمن بالتحرير كما يؤمن بالدولة ويحمل الحبّ كما يحمل المسؤولية ويعرف أن السلام هو الوجه الإنساني لفلسطين الحرة.

هنا دخلت غزة إلى الحوار وهي متعبةً وشامخةً وفي صوتها بحرٌ من الدمع والصبر:

وأنا يا إخوتي، أما آن لجرحي أن يسمع كلمة حنان؟

أنا أريد من المؤتمر أن يتذكر الناس البسطاء والأمهات والأطفال والبيوت التي تنتظر نافذة ضوء، وأن يمنح الوجع الفلسطيني معنىً يليق بصبره وأن يخرج منه رجالٌ ونساءٌ يشبهون صبر هذا الشعب وعظمته.

قالت رام الله بصوت الشوارع التي تحفظ وقع الخطى:

أنا أنتظر من المؤتمر أن يجيب عن أسئلة الناس عن الحلم وعن الدولة وعن فتح التي يجب أن تعود أكثر قربًا من نبض الشارع، وأن تفتح الباب أمام الكفاءات والطاقات الجديدة كي يشعر الناس أن الحركة ما زالت تشبههم وأن قيادتها المقبلة تعرف كيف تصنع الأمل من التعب.

وأضافت نابلس بصلابة جبل النار وعاطفة الأمهات:

أنا أسأل عن روح الحركة الأولى، عن ذلك الدفء الذي كان يجعل الاسم وحده يوقظ الأمل وعن وجوهٍ جديدة تحفظ وهج البدايات من التعب وجيلٍ يحمل حلم الدولة في قلبه كما يحمل نار الانتماء.

أما الخليل، فجاء صوتها سريعًا وخفيفًا كنسمةٍ من حرم أبانا  إبراهيم:

أريد مؤتمرًا يعيد للثبات معناه وللحجارة أسماءها وللعقول الكفؤة حقها في الصعود، حتى تشعر المدن أن أبناءها حاضرون في المشهد وأن القيادة المقبلة تعرف الطريق إلى الناس وإلى الوطن.

وقالت بيت لحم بنبرة الميلاد:

أريد أن أرى في المؤتمر نجمةً جديدة تهدي الفلسطينيين إلى أفقٍ أوضح وإلى وحدةٍ تشبه النور حين يخرج من المغارة وإلى محبةٍ تشبه ميلاد الأمل من جديد وقيادةٍ تجعل من الحلم مشروع دولةٍ يليق بفلسطين.

وتقدمت طولكرم بخضرتها وهدوئها جرحها :

أنا أسأل عن الغد وعن الاقتصاد وعن الإنسان الذي يريد أن يعيش بكرامة وعن كفاءاتٍ تستطيع أن تحوّل الحلم إلى مشروع حياة وقياداتٍ تعرف أن بناء الدولة يبدأ من كرامة المواطن.

ثم جاءت جنين، بصوتٍ يشبه الرعد لكنه مغمور بالوفاء:

أنا أسأل عن الذين كتبوا أسماءهم بدمهم على جدران الوطن وكيف نحفظ عهدهم؟ نحفظه بأن نجعل المؤتمر أكثر قربًا من الناس وأكثر وفاءً للتضحيات وأكثر قدرةً على إنجاب قياداتٍ جديدة تعرف معنى الوطن وتعرف أن التحرير والدولة ليسا شعارين فقط بل عهدًا مستمرًا.

صمت الجميع لحظة، ثم تكلمت شوارع القدس نفسها من باب العمود إلى سلوان ومن الشيخ جراح إلى صلاح الدين وقالت بصوتٍ واحد:

نحن لا نريد مؤتمرًا عابرًا بل نريد أن نعرف ذواتنا فيه وأن نرى وجوهنا في قراراته  وأن نشعر أن فتح ما زالت تقرأ نبضنا وتعرف أسماء أطفالنا وتحفظ مفاتيح بيوتنا وتضع القدس في أعلى سلم المعنى وتفتح النوافذ للكفاءات والوجوه الجديدة كي تخرج المدن من هذا المؤتمر أكثر حبًا وأكثر ثقةً وأكثر قربًا من بعضها وأكثر إيمانًا بأن القيادة القادمة ستعرف الطريق إلى التحرير والدولة والإنسان.

ابتسم الرئيس ونظر إلى صقور فتح من حوله…. فقال أحدهم:

هذا المؤتمر ليس اجتماعًا تنظيميًا فقط. إنه مرآة المدن فإذا رأت القدس نفسها فيه رأت فلسطين كلها أن فتح ما زالت تعرف الطريق إلى قلوب الناس وإلى المعنى الذي وُلدت من أجله وإلى قيادةٍ جديدة تحمل الوطن نحو غايته الكبرى.

وهنا ارتفعت القدس فوق المشهد كأن الأسوار صارت جناحين وكأن الأقصى والكنائس يباركان الحوار وقالت في الخاتمة:

إذا كان مؤتمر فتح سيعيد للمدن أسماءها وللشوارع صوتها وللناس ثقتهم ويمنح الكفاءة مكانها ويفتح الأبواب لوجوهٍ جديدة ويُنبت قيادةً تؤمن بالتحرير وتحمل حلم الدولة وتزرع الحبّ في الشارع الفلسطيني وتبعث برسالة طمأنينةٍ وسلام، فأنا القدس سأكون أول الحاضرين وأول الشاهدين وأول من يعلن أن فتح ما زالت تعرف الطريق إلى قلب فلسطين.