
في التفاصيل الصغيرة، تختبئ أحيانًا ملامح المرحلة الكبرى. في عملية إنقاذ طيار أميركي من داخل إيران، لم يكن الحدث الأهم هو نجاح الإخلاء، بل اضطرار الولايات المتحدة إلى تدمير طائراتها بنفسها، خشية أن تقع في يد الإيراني الذي أثبت قدراته على استنساخ التقنيات وتوظيفها؛ وذلك بسبب الحصار الطويل والعقوبات التي أرغمته على تطوير قدراته بنفسه من غير اعتماد على الخارج. كذلك فهي تظهر أهمية "صورة النصر" التي يفعل كل طرف المستحيل كي يحصل عليها أو يمنع العدو من الحصول عليها.
الأرجح أن هذه الطائرات أصيبت بنيران القوات الإيرانية ولم تعد قادرة على المغادرة، ومستبعد جدًا وقوع خلل تقني في طائرتين دفعة واحدة. في هذه الحالة يجري تدمير المعدات تمامًا كي لا يستفيد العدو من أسرارها، فهذه خزّان من الأسرار والتقنيات المتقدمة، وبلا شك أن الإيرانيين يبحثون الآن عن أي قطعة بين رمادها قد يجدونها سليمة أو قابلة للتحليل.
هذه الحادثة في جوهرها تقول إن الحروب في جوهرها ليست فقط صراعًا على السيطرة، بل على المعرفة. لم يعد الخطر فقط في أن تُسقط طائرتك أو أي عتاد آخر، بل في أن يقع بيد عدو يكشف أسراره. فالتفوق لا يُقاس فقط بما تملك، بل بقدرتك على حماية أسرار ما تملك.
العالم، في هذه اللحظة، لا يعيش حربًا واحدة، بل يعيش عدة مواجهات، في منطقة الشرق الأوسط، في حرب الإبادة في غزة التي لم تنته بعد، وقوننة إعدام الأسرى، إلى حرب أوكرانيا التي تحولت إلى حرب استنزاف طويلة، وفي أسواق الطاقة، حيث أصبحت الإمدادات نفسها ساحة صراع، تُستخدم فيها الأسعار والطرق والتهديدات كأدوات ضغط لا تقل فاعلية عن الصواريخ والألغام.
الحرب على حزب الله ولبنان التي بدت وكأنها محسومة، وأن الحزب بات ضعيفًا مشلولًا، تعود إلى نقطة البداية في زخمها، ويعود سكان البلدات الحدودية شمالي إسرائيل يتوسلون الحكومة لنقلهم بعيدًا عن خط المواجهة، إذ لا تمر ساعة واحدة من غير تعرّض هذه البلدات إلى صفارات إنذار وقصف صاروخي، بل وخوف من عمليات تسلل بشرية، وفي المقابل تمعن إسرائيل في سياسة المسح الكلّيّ لقرى جنوبي لبنان وللضاحية الجنوبية لبيروت على النمط الغزاوي، وتهدد بتطبيقها في إيران. يضاف إلى هذا ردة الفعل السورية الهائلة على قانون إعدام الأسرى التي امتازت في زخمها على امتداد الأرض السورية، التي تستدعي مقالة خاصة لفهمها وتفكيكها، فهي أبعد من ردّة فعل لحظية، وواضح أنه ردٌ متناغم شعبيًا ورسميًا. نضيف إلى هذا مناشدات دول مثل مصر وباكستان وتركيا وغيرها من دول إلى وقف التصعيد؛ كونه يشكل خطرًا على مستوى العالم وليس على الجهات المتورطة فيه فقط.
في داخل الولايات المتحدة مظاهرات غير مسبوقة في مختلف الولايات ضد الحرب، وإقالات بالجملة من مواقع قيادية، بعضها كما يبدو يرفض تنفيذ سياسة ترامب، أو أنه فشل في ما يريده ترامب.
وداخل الحزب الديمقراطي الأميركي، تُطرح أسئلة متزايدة ولأول مرة بهذا الزخم حول حدود الدعم لإسرائيل، وكُلفته المادية والأخلاقية والسياسية، وسيكون هذا محورًا أساسيًا في الانتخابات الأميركية النصفية قبل نهاية هذا العام. هذا لا يعني انقلابًا وشيكًا في السياسة الأميركية، لكنه يشير إلى تحوّل في المزاج العام، وخصوصًا أن هذا الدعم وهذه الحروب تمس جيب المواطن الأميركي، الذي وُعد بأن عربدة ترامب ستجلب له الرفاهية من خلال ابتزاز ونهب مردودات مصادر الطاقة، والثروات من مختلف بقاع الأرض وليس من دول الخليج العربي فقط، التي بدأها باعتقال رئيس فنزيلا، ثم أعلن رغبته في تغيير النظام في إيران، إلا أن نتائج العربدة كما يبدو ستكون مكلفة للجميع.
وفي المقابل، تجد دول الخليج العربي نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا. الحليف الذي كان يُنظر إليه بوصفه ضامنًا لأمنها لم يعد قادرًا، وربما لم يعد راغبًا في لعب الدور التقليدي القديم نفسه. ليس لأن القوة الأميركية تراجعت فجأة، بل لأن قدرتها على فرض الحسم السريع لم تعد كما كانت، وتهديد ترامب باستخدام "القوة القصوى" لم ينفع مع النظام في إيران الذي حُشر بين خيارين، الاستسلام التام لرغبات ترامب ونتنياهو بعد عقود من إعلان العداء لأميركا وإسرائيل، أو الاضطرار للدفاع عن نفسه مهما كان الثمن.
ما نشهده يبدو كأنه إشارات لمرحلة انتقالية، تتكاثر فيها الصراعات دون أن تنفجر في مواجهة واحدة شاملة، عالم يتغير ببطء، عبر أزمات متلاحقة، لا عبر حدث واحد حاسم. في هذا الواقع يفترض أن تبدأ دول المنطقة بالبحث عن توازنات جديدة، أو على الأقل عن هامش أوسع من الاستقلال في القرار.