
خاص صدى نيوز: أصدر الرئيس محمود عباس قراراً بقانون رقم 20 لسنة 2025، يقضي بإجراء تعديلات جوهرية على قانون الدين العام رقم 24 لسنة 2005، في خطوة تستهدف ضبط سياسة الاقتراض الحكومي وتنظيم إدارة الدين العام بما يتناسب مع الواقع المالي الراهن.
قانون سعت إليه الحكومة
هذه الخطوة التي اتخذت العام الماضي جاءت بتنسيب من رئاسة الوزراء التي سعت إلى إجراء تغييرات على قانون الدين العام من أبرزها إعادة تعريف الدين العام ليصبح أكثر شمولاً ودقة، بحيث يشمل جميع الالتزامات الحكومية المباشرة وغير المباشرة، الداخلية والخارجية، والتي تترتب على الحكومة تسديدها في مواعيد استحقاقها.
كما استحدث القانون مفاهيم مالية جديدة من بينها "سقف الاقتراض السنوي" لتحديد حجم الديون المخصصة لتمويل العجز في الموازنة أو إعادة هيكلة الدين القائم، و"خطة السداد" التي تنظم آلية ترصيد الأموال وفق مواعيد الاستحقاق، إلى جانب استبدال مصطلح "صندوق الوفاء" بـ"حساب الوفاء" الذي يمثل محوراً مركزياً في التعديلات الجديدة.
ومن بين البنود اللافتة في القرار، تحديد سقف الدين العام بحيث لا يتجاوز 80% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية للسنة الأخيرة التي تتوافر عنها البيانات. ويُنظر إلى هذا السقف على أنه أداة رقابية لتفادي تضخم المديونية، وحماية الاستقرار المالي في ظل الضغوط الاقتصادية التي تشهدها الموازنة الفلسطينية. فهل التزمت الحكومة فعلا بما ورد في التعديلات القانونية التي دفعت هي نفسها إلى إجرائها؟
أرقام الدين صادمة
تشير بيانات وزارة المالية والتخطيط واطلعت عليها "صدى نيوز" إلى أن حجم الديون والالتزامات المترتبة على السلطة الوطنية حتى نهاية كانون الثاني الماضي (أي بعد نهاية الشهر الأول من 2026) بلغت 47.7 مليار شيقل أي نحو 15 مليار دولار، بينما بلغ الناتج المحلي الإجمالي مع نهاية العام 2025 بالأسعار الجارية حسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء نحو 17.1 مليار دولار أي أن الدين العام بلغ نسبة لا تقل عن 87% مقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية (دون احتساب حجم الاقراض والاستدانة خلال شهري شباط وآذار وهو ما يرجح أن النسبة تجاوزت ذلك). لكن بعض المسؤولين الحكوميين يرون أن الدين العام لم يصل إلى هذه النسبة، متذرعين بأن الدين المستحق لصالح صندوق التقاعد وبعض الصناديق هو دين تحت التسوية وليس ديناً مرصد. (مع العلم أن هذه الديون متراكمة منذ سنوات).
كيف يحسب الدين مقارنة مع الناتج المحلي؟
يقول الدكتور أحمد خالد أستاذ القانون العام في جامعة بيرزيت لـ"صدى نيوز" إن التعديلات الواردة في القانون الجديد حددت حجم الدين الذي ينبغي عدم تجاوزه حاجز 80% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية في السنة الأخيرة التي تتوفر عنها البيانات، وهذا يعني أن السنة التي يحتسب فيها الناتج المحلي هي نفس السنة التي يتم الحصول فيها على القرض أو التي سبقتها.
ويضيف: "مثلا إذا تم طلب الحصول على قرض في العام 2026، يجب توفير البيانات الخاصة بالناتج المحلي بالأسعار الجارية للعام 2025"، مشيراً إلى أنه لا يجوز بموجب القانون أن يزيد الدين العام في كل سنة عن 80% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية.
بدوره، يقول الحبير الاقتصادي د. سعيد صبري: "سؤال التزام الحكومة بقانون الدين العام يجب أن يُقرأ اليوم في ضوء التعديل الأخير على القانون، الذي وسّع تعريف الدين العام ليشمل ليس فقط القروض المباشرة، بل أيضا مختلف الالتزامات الحكومية غير المسددة، بما فيها مستحقات الموظفين، والقطاع الخاص، والتزامات صناديق التقاعد وجهات أخرى، مع تحديد سقف قانوني أعلى للدين عند 80% من الناتج المحلي الإجمالي".
لا هامش مناورة مالياً
ويضيف صبري: "إذا اكتفينا بالأرقام الرسمية التقليدية، فإن الدين المباشر يبدو في حدود آمنة نسبيا، لأنه يدور حول 15 إلى 16 مليار شيقل فقط. لكن هذه القراءة لم تعد كافية، لأنها لا تعكس التعريف الشامل الذي نص عليه القانون نفسه. أما إذا أخذنا بالاعتبار الصورة الكاملة للالتزامات الحكومية، استنادًا إلى التقديرات المتداولة حتى نهاية كانون الثاني 2026، فإننا نتحدث عن نحو 47.7 مليار شيقل، موزعة بين 10.7 مليار شيقل اقتراضا محليا، و4.2 مليار شيقل اقتراضا خارجيا، و7.9 مليار شيقل مستحقات لصالح الموظفين، و8.2 مليار شيقل مستحقات لصالح القطاع الخاص، و16.7 مليار شيقل ديونا لصندوق التقاعد وجهات أخرى".
وبمقارنة هذا الرقم مع ناتج محلي يتراوح بين 17 و20 مليار دولار، ومع سعر صرف يقارب 3.15 شيقل للدولار، فإن الناتج المحلي يعادل تقريبا 53 إلى 63 مليار شيقل. وعليه، فإن نسبة الدين إلى الناتج تتراوح بين 76% و89%، بمتوسط يقترب من 80% إلى 85%.
ويشير صبري إلى أن هذه الأرقام تظهر المسألة بوضوح إذ لم يعد ممكنًا الحديث عن هامش مناورة مريح، بل عن وضع مالي شديد الحساسية. فهذا الحساب يضعنا عمليًا عند حدود السقف القانوني، ويفتح تساؤلًا جديًا حول ما إذا كنا ما زلنا ضمن السقف القانوني فعليًا إذا احتُسب الدين وفق التعريف الشامل الذي أقرّه القانون.
الخطر في طبيعة الدين واستخداماته
أما اقتصاديًا، فيشير د. صبري إلى أن الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع الرقم، بل في طبيعة الدين واستخداماته. فجزء كبير من هذه الالتزامات مرتبط بتمويل نفقات جارية وليس استثمارات إنتاجية، ما يعني أن الدين لا يولّد نموًا اقتصاديًا كافيًا لتعويضه. كما أن تراكم المتأخرات يضغط على القطاع الخاص، ويقيّد السيولة، ويضعف القدرة على الاستثمار والتشغيل، بينما يزيد الاعتماد على الاقتراض الداخلي من انكشاف الجهاز المصرفي على المالية العامة.
الواقع أكثر صعوبة وحساسية
ويبين صبري الحكومة قد تبدو ملتزمة شكليًا إذا اكتفينا بالرقم الرسمي الضيق، لكن وفق القراءة القانونية والاقتصادية الأشمل، فإن الواقع أكثر صعوبة وحساسية بكثير. فالقانون وسّع تعريف الدين، لكن تطبيقه يكشف أننا عند حدوده تقريبًا، وأن ناقوس الخطر الحقيقي ليس في الرقم وحده، بل في المسار المالي الذي يقود إليه.
ويضيف: "التحدي الحقيقي ليس قانونيًا بقدر ما هو هيكلي، ويتطلب إعادة ضبط مسار المالية العامة، وتعزيز الإيرادات، وضبط النفقات، وتوجيه الاقتراض نحو الاستثمار المنتج بدل تمويل العجز الجاري"، مشيراً إلى أن اللجوء إلى الاقتراض المباشر أو غير المباشر لتغطية نفقات جارية يعكس اختلالاً هيكلياً في المالية العامة.
ارتفاع الدين العام كان متوقعاً
من جانبه، أشار مؤيد عفانة إلى أن ارتفاع الدين العام والالتزامات المالية على الحكومة كان متوقعاً لعدة أسباب جوهرية، أهمها:
-الخلل التراكمي البنيوي التاريخي ما بين مبنى الإيرادات ومبنى النفقات على مدار سنوات طويلة من عمر السلطة الفلسطينية، مما خلق فجوة مالية، تم ردمها من خلال الدين، والمتأخرات.
-الأزمة المالية التي تعاني منها الموازنة العامة والتي بدأت تطفو على السطح بشكل جليّ منذ العام 2021، تمثلت إحدى نتائجها بدفع نسبة من رواتب موظفي القطاع العام، مما بدأ بتراكم تلك المستحقات، مع تراكم متأخرات القطاع الخاص.
-عدم اجراء تسويات بوقت مبكر وحل القضايا المتعلقة بتحويلات صندوق التقاعد والمعاشات، مما فاقم من الديون.
-أزمة المالية العامة بعد السابع من أكتوبر 2023، والتي أدخلت الموازنة العامة في أزمة عميقة، أدت الى تراكم المتأخرات والديون، وتوجه الحكومة نحو الاقتراض البنكي والتسهيلات البنكية، إضافة الى تراكم مستحقات الموظفين والقطاع الخاص، والصناديق المختلفة.
-التوجه نحو التمويل بالمتأخرات، خاصة بعد احتجاز إسرائيل كافة إيرادات المقاصة منذ شهر 5/2025، مما رفع من الديون والالتزامات.
ويقول عفانة إن إقرار قانون جديد للدين العام، جيد لإعادة تعريف الدين العام، وسعيًا لإعادة هيكلة إدارة الدين العام بما يشمل كافة التزامات الحكومة تجاه الجهات المختلفة، حيث إن التعديل أعاد تعريف الدين العام بشكل أشمل وأكثر دقة ليشمل الالتزامات الحكومية المباشرة وغير المباشرة، سواء المسددة أو غير المسددة، الداخلية منها والخارجية.
ويضيف: "هو توجه جيد نحو حوكمة الدين العام والالتزامات على الحكومة، وعلى الرغم من الاختلاف الممكن في احتساب نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي تبعاً لوجود التزامات قيد التسوية، إلا أن البيانات تشير إلى منحى تصاعدي في الدين العام بسبب ظروف الاقتصاد الفلسطيني وواقع المالية العامة، الأمر الذي يستوجب ترشيد النفقات وتعزيز الإيرادات، وضبط الالتزامات الحكومية بشكل صارم".