
صدى نيوز - ترى تحليلات أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يخاطر بجعل إيران تحكم قبضتها على إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط إذا قرر إنهاء الحرب من دون التوصل إلى اتفاق، وبالتالي سيترك منتجي النفط والغاز في دول الخليج يكابدون تداعيات حرب لم يكن لهم أي دور في اشتعالها أو تشكيل مسارها.
وبحسب ما أوردت وكالة "رويترز"، فإن ذلك "قد يعزز من قوة حكام إيران من رجال الدين، بدلا من سحقهم"، بعد أن "اكتسبوا الجرأة" من الصمود أمام الهجمات الأميركية والإسرائيلية المستمرة منذ 28 شباط/ فبراير الماضي، وإطلاق النار على دول الخليج وزعزعة أسواق الطاقة العالمية بإغلاق مضيق هرمز فعليا.
وقال ترامب في مقابلة أجريت معه قبل خطاب مقرر للأمة، إن بلاده ستنهي حربها على إيران "بسرعة كبيرة"، ملمحا الثلاثاء إلى أنه قد ينهي الحرب حتى من دون اتفاق.
وسيشكل إنهاء الحرب من دون ضمانات واضحة لما سيحدث لاحقا خطرا كبيرا على دول الخليج، إذ سيترك المنطقة عرضة لتبعات حرب تصب نتائجها في مصلحة إيران.
وقال محمد باهرون، مدير مركز دبي لبحوث السياسات العامة، إن "المشكلة هي إنهاء الحرب من دون نتيجة حقيقية... قد يوقف (ترامب) الحرب، لكن هذا لا يعني أن إيران ستفعل ذلك".
وأضاف أن إيران ستواصل تهديد المنطقة ما دامت بقيت القوات الأميركية متمركزة في قواعدها بالخليج.
ويكمن جوهر مخاوف دول الخليج في هذا التفاوت، وهو خروج إيران من الحرب دون هزيمة وبنفوذ معزز، بحسب رويترز، أي تكون قادرة على تهديد ممرات الملاحة وتدفقات الطاقة والاستقرار الإقليمي، في حين تتحمل دول الخليج التكاليف الاقتصادية والإستراتيجية لصراع لم يُحسم.
وقال باهرون إن تقويض حرية الملاحة في المنطقة سيكون مبعث قلق كبير للخليج.
وأضاف أن إيران قد تبدأ في "استغلال ورقة المياه الإقليمية" وفرض قواعدها في مضيق هرمز الذي يعد شريانا حيويا لإمدادات الطاقة العالمية. وتابع أن "هذا يتجاوز هرمز. وضعت إيران يدها على نقطة ضغط في الاقتصاد العالمي".
واعتبر أن قدرة طهران على تعطيل تدفقات الطاقة توجه رسالة واضحة مفادها أن أي شخص يفكر في شن هجمات مستقبلية على إيران يجب أن يعيد النظر مليا.
ويساعد هذا المنطق في تفسير سبب تجنب دول الخليج الانجرار إلى الحرب الإسرائيلية - الأميركية.
وقال مسؤولون في المنطقة لرويترز، إن شاغلهم الأكبر هو منع تحول الحرب، التي بدأت في صورة هجمات أميركية إسرائيلية على إيران، إلى شيء أخطر بكثير، وهو مواجهة تعيد تشكيل الشرق الأوسط لعقود قادمة.
خطأ جوهري في التقدير
تفاقم احتمال التصعيد بسبب ما يصفه محللون سياسيون بأنه سوء تقدير جوهري من الولايات المتحدة وإسرائيل حول كيفية رد إيران على الهجمات غير المسبوقة التي استهدفت قيادتها.
وأدى اغتيال المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، في بداية الحرب، والذي كان يقصد به توجيه ضربة قاضية، إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك. فقد خلفه نجله مجتبى خامنئي، وتحول ما كان يفترض أن يطيح بالنظام إلى استفزاز بالنسبة لحكام إيران يستدعي المقاومة والانتقام.
وذكر فواز جرجس، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، أن "بضربة واحدة، حول ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو صراعا جيوسياسيا إلى صراع ديني وحضاري. رفعا خامنئي من حاكم مثير للجدل إلى شهيد".
ويرى محللون إقليميون أن اغتيال علي خامنئي ساهم في ترسيخ شرعية أكثر نزعات القيادة الدينية تشددا ووحد المؤسسة الدينية والحرس الثوري حول سردية المقاومة الوجودية التي يكون فيها الاستسلام أمرا مستحيلا والصمود أمرا مقدسا.
ويقولون إن الافتراض بأن الإطاحة بكبار القادة سيؤدي إلى انهيار النظام تجاهل المؤسسات الإيرانية متعددة الطبقات وهياكل السلطة المتوازية وسجلها الطويل من الصمود، من ثماني سنوات من الحرب مع العراق وحتى العقوبات الأميركية على مدى عقود.
ويشير المحللون إلى أن النتيجة ليست في استسلام طهران بل في التشدد، إيران باتت أكثر غضبا وجرأة، وترك المنطقة تتحمل تبعات ذلك.
سلاح النفط الإيراني
قال الخبير في شؤون الإرهاب، ماجنوس رانستورب، إن صانعي القرار في الولايات المتحدة وإسرائيل لم يدخلوا الحرب وهم غافلون عن القوة الأيديولوجية لإيران، لكن يبدو أنهم استخفوا بقدرة إيران على الصمود.
وأضاف أن التصور كان أن السيطرة الجوية، التي تتحقق من خلال تدمير منصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة وقتل كبار الشخصيات، ستوفر حرية الحركة والاحتواء الإستراتيجي، لكن صار النظام الإيراني أكثر تماسكا بدلا من أن يتفكك، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنه مدعوم بمؤسسات موازية مصممة للتجدد تحت الضغط.
ويقول محللون سياسيون في المنطقة إن واشنطن أخطأت أيضا في تقدير قدرة إيران على الرد غير المتكافئ. ويقولون إن طهران لا تحتاج إلى الفوز في الحرب الجوية، لكن هدفها فرض تكلفة لها. وعلى مدى عقود استثمرت إيران في تحديد نقاط الضغط بدلا من مواجهة القوة بالقوة، وصارت تعتبر أصول الطاقة ومضيق هرمز عنصرين أساسيين في إستراتيجيتها.
ومن خلال قصف البنية التحتية للطاقة وتهديد مضيق هرمز، دفعت إيران أسعار النفط والتضخم في أنحاء العالم إلى الارتفاع وحولت الضغط إلى الولايات المتحدة وشركائها.
ويقول محللون أيضا إن هدف إيران ليس الانتصار في ساحة المعركة، بل فرض معاناة اقتصادية. ويقولون إن الحرب إذا أصبحت غير محتملة اقتصاديا، فإن البقاء نفسه يصبح انتصارا بالنسبة لإيران.
ومن شأن إنهاء الحرب سريعا من دون ضمانات أمنية أن يترك دول الخليج مكشوفة، مع احتمال ألا يقتصر أي رد إيراني في المستقبل على المنطقة.
وتحتفظ طهران بالقدرة على تفعيل شبكات عالمية طويلة الأمد باستخدام قنوات تم تطويرها على مدى عقود لاستهداف مصالح إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما بعيدا عن ساحة المعركة.
وقال رانستورب إنه "لم يبدأوا بعد، لكن لديهم قدرة هائلة على معاقبة الولايات المتحدة وإسرائيل"، واصفا إيران بأنها تهديد متعدد الأوجه يمكن أن تمتد أذرعه إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط.
ويخيم هذا التهديد على أي انسحاب أميركي. فإذا انسحبت الولايات المتحدة، واعتمدت العمليات الإسرائيلية بشكل كبير على الدعم الأميركي، فلن تعتبر طهران هذه النتيجة هزيمة.
ويقول محللون من المنطقة إن النظام الثيوقراطي (الديني) سيكون بذلك قد صمد ولن يتغير ميزان القوى بشكل جذري، وسيُنظر إلى إيران في المنطقة على أنها أكثر خطورة من ذي قبل.