صدى نيوز - منذ زمن طويل أوصت الإرشادات الصحية بتناول العشاء مبكرا، غالبا بين الخامسة والسابعة مساء، لأن الجسم يكون في ذروة نشاطه الأيضي والهضمي، مما يساعد على تنظيم سكر الدم وحرق الدهون بكفاءة أعلى.

لكن يبقى السؤال: هل يناسب هذا التوقيت الجميع؟ وهل يمكن أن يكون ثابتا لكل الأشخاص؟ الإجابة العملية: لا. فهناك فئات وظروف يصبح فيها تأخير وجبة العشاء ليس خيارا مقبولا فحسب، بل الخيار الأصح والأكثر منطقية.

ما التوقيت "المثالي" للعشاء؟

تغيرت أنماط الحياة الحديثة جذريا، ساعات عمل طويلة، التزامات دراسية واجتماعية، وأنشطة مسائية تجعل الالتزام بوقت عشاء ثابت أمرا صعبا.

كما تختلف مواعيد النوم اختلافا كبيرا بين الأفراد، فالساهرون حتى وقت متأخر قد يحتاجون إلى عشاء متأخر لتجنب الجوع الليلي، بينما يستفيد من ينام مبكرا من تقديم وجبته لدعم الهضم والراحة.

لذلك لم يعد توقيت العشاء معيارا جامدا، بل قرارا شخصيا يرتبط بنمط حياة كل فرد، وبقدرته على تحقيق توازن عملي بين التغذية والنوم والطاقة اليومية.

متى يكون تأخير العشاء خيارا أفضل؟

توقيت العشاء لم يعد معيارا ثابتا، بل أصبح مرهونا بنمط حياة كل فرد وجدوله اليومي. وبالتالي، يجب على كل شخص اختيار الوقت الذي يوازن فيه بين التغذية والنوم والطاقة اليومية بما يدعم الصحة العامة والراحة النفسية والجسدية دون الالتزام بقواعد عامة لا تناسب اختلاف الأفراد.

1- لمن يمارس التمارين في المساء

من يتمرن في المساء يواجه معادلة بيولوجية واضحة: بعد التدريب المكثف يحتاج الجسم إلى إعادة بناء العضلات وتعويض مخازن الغلايكوجين، وهذا يتطلب وجبة غنية بالبروتين والكربوهيدرات بعد النشاط مباشرة.

أما تناول العشاء قبل التمرين فقد يعيق الأداء ويسبب اضطرابات هضمية، لذا يميل خبراء التغذية الرياضية إلى تأجيل الوجبة إلى ما بعد الانتهاء من التدريب. ووفقا لمؤسسة "مايو كلينك" الطبية، فإن فترة ما بعد التمرين من أهم أوقات التغذية لدعم الاستشفاء العضلي وتحقيق أقصى استفادة من التمارين.

باختصار، في هذه الحالة تأتي ساعة العشاء بعد ساعة التمرين، لا العكس.

2- في ظل ضغط العمل أو الدراسة

ليس لدى الجميع رفاهية تنظيم اليوم كما تريد التوصيات الطبية. ساعات العمل الطويلة والجداول الدراسية الممتدة والنوبات المسائية تؤثر مباشرة في مواعيد الطعام والنوم، وتُصعّب الالتزام بوقت عشاء ثابت.

أظهرت دراسات أن ضغط العمل وعدم انتظام الجداول اليومية يرتبطان بضعف جودة النظام الغذائي وصعوبة الحفاظ على نمط وجبات منتظم. وأكدت دراسة في جامعة كورنيل عام 2009 أن ضيق الوقت والإرهاق الناتج عن ساعات العمل الطويلة يقللان القدرة على تنظيم مواعيد الطعام.

كما تشير دراسات حول العاملين بنظام النوبات إلى أن اضطراب الساعة البيولوجية يفرض تغييرات طبيعية في توقيت الوجبات، مما يجعل التركيز على نوعية الطعام وتوازنه خيارا عمليا أكثر من التشبث بموعد ثابت للعشاء.

3- عندما يكون العشاء لقاء عائليا

العشاء ليس مجرد وجبة، بل طقس اجتماعي وعاطفي مهم، وغالبا ما يكون الوقت الوحيد لاجتماع الأسرة في ظل انشغال الحياة وساعات العمل. ومشاركة الطعام مع العائلة أو الأصدقاء في المساء تعزز الروابط الإنسانية وتخفف العزلة والتوتر، وهو ما ينعكس إيجابيا على الصحة الجسدية والنفسية.

دراسة أمريكية مشتركة بين جامعتي أوكلاند ومينيسوتا نشرت عام 2018 في "مجلة الطب الوقائي الأمريكية" أشارت إلى أن الوجبات العائلية المشتركة ترتبط بمستويات رفاه أعلى، وتحسين تقدير الذات، وانخفاض التوتر والاكتئاب لدى أفراد الأسرة، إلى جانب مؤشرات اجتماعية ونفسية أفضل عموما.

حتى لو جاء العشاء متأخرا نسبيا، قد تفوق فوائده الاجتماعية والنفسية وجبة مبكرة يتناولها الإنسان وحيدا.

4- حالات صحية خاصة

بعض الحالات الطبية تفرض منطقها الخاص في توقيت العشاء. فمرضى السكري، خاصة من النوع الثاني ومن يعتمدون على الأنسولين، قد يحتاجون إلى وجبة متأخرة لتجنب هبوط السكر الليلي.

وأصحاب القولون العصبي قد يستفيدون من توزيع الوجبات على فترات أطول، بينما يحتاج بعض مرضى انخفاض ضغط الدم إلى وجبة خفيفة متأخرة للحفاظ على استقرار حالتهم.

في هذه الحالات يظل الطبيب المعالج هو المرجع الأول لتحديد الأنسب، ولا تكفي التوصيات العامة التي قد لا تراعي الفروق الفردية.

5- لدى أصحاب نمط النوم المتأخر

من ينامون في ساعات متأخرة كثيرا ما يشعرون بالجوع ليلا بعد العشاء التقليدي، وهنا قد تكون وجبة خفيفة مناسبة، إذا كانت منخفضة السعرات وغنية بالعناصر الغذائية، فتخفف الجوع دون الإضرار بالنوم.

وقد دعمت هذه الفكرة دراسة أجريت في معهد التغذية وعلوم الرياضة بجامعة فلوريدا عام 2015 ونشرت في مجلة "نيتشر"، أوضحت أن تناول الطعام ليلا ليس ضارا بالضرورة، وأن تأثيره يعتمد على نوعية الطعام وكميته أكثر من كونه مجرد "أكل في وقت متأخر".

ثلاث عادات تجعل العشاء المتأخر صحيا

قد يكون تأخير العشاء قرب وقت النوم خيارا أفضل للحفاظ على الشعور بالشبع وتحسين جودة النوم، خاصة إذا كانت الوجبة تجمع عادات صحية مثل:

اختيار وجبة خفيفة ومتوازنة

الوجبات الصغيرة منخفضة السعرات أو الغنية بالبروتين قبل النوم قد تكون مفيدة للبعض. تأثر الجسم بالعشاء المتأخر يعتمد على كمية الطعام ونوعه والحالة الصحية ومستوى النشاط البدني، وليس على التوقيت وحده.

تجنب الدهون والسكريات الثقيلة

تأخير العشاء لا يعني التنازل عن قيمته الغذائية، بل يتطلب اختيارا أذكى لما يوضع على الطبق. يفضل أن تكون الوجبة أخف من الغداء، مع تجنب الدهون الثقيلة والسكريات البسيطة، والتركيز على عناصر تدعم الهضم والنوم، مثل بروتين خفيف (كالدجاج أو الأسماك) مع خضروات، وكربوهيدرات معقدة عند الحاجة.

ترك فاصل قبل النوم

من المهم الحفاظ على فاصل زمني لا يقل عن ساعة ونصف إلى ساعتين بين العشاء ووقت النوم. وإذا ظهر الجوع لاحقا يمكن تناول وجبة خفيفة صحية مثل الزبادي أو حفنة من المكسرات. هذه الخطوات تخفف العبء عن الجهاز الهضمي، وتدعم جودة النوم مع الحفاظ على الفوائد الغذائية للعشاء.

في المحصلة، لا يمكن تصنيف تأخير العشاء على أنه جيد أو سيئ للجميع. التوقيت الأمثل يعتمد على نمط حياة الفرد ونشاطه البدني وحالته الصحية وجودة نومه.

في حالات عديدة يكون العشاء المتأخر هو الخيار الأنسب والأكثر انسجاما مع الواقع اليومي. وعندها يصبح توقيت العشاء مرنا يتكيف مع الاحتياجات الفردية، بما يحقق التوازن بين الغذاء والطاقة وصحة النوم، بدلا من الالتزام الأعمى بقاعدة واحدة لا تناسب الجميع.