
صدى نيوز - انطلاقًا من الدور الجوهري الذي تضطلع به مهنة المحاماة في حماية سيادة القانون وتعزيز احترام قواعد القانون الدولي، ولا سيما في مواجهة الانتهاكات الجسيمة والمستمرة.
يأتي هذا النداء في ضوء الوقائع الجارية في الأرض الفلسطينية المحتلة، والتي تثير مسائل قانونية جوهرية تتعلق بقانون الاحتلال، وحماية السكان المدنيين، وحظر نقل السكان، ومنع التمييز، فضلًا عن مسؤوليات الدول تجاه الأوضاع غير القانونية.
تشهد الضفة الغربية، بما فيها القدس، تسارعًا في سياسات التوسع الاستيطاني وفرض الوقائع على الأرض، من خلال مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وبناء بنى تحتية تخدمها، بما يؤدي إلى تقويض وحدة الأرض المحتلة وإعاقة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير. وتشمل هذه السياسات الاستيلاء على الأراضي بوسائل مختلفة، وفرض قيود مشددة على استخدام الأراضي والتنقل، بما يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني التي تنظم إدارة الأراضي المحتلة وتحظر إحداث تغييرات دائمة فيها خارج نطاق الضرورات العسكرية.
كما تترافق هذه السياسات مع تصاعد في أعمال العنف التي يمارسها المستوطنون بحق السكان المدنيين الفلسطينيين، في ظل إخفاق واضح في توفير الحماية الواجبة لهم، وهو ما يسهم في خلق بيئة قسرية تدفع نحو إخلاء التجمعات السكانية وتهجيرها. وتندرج هذه الممارسات، بما في ذلك الإخلاءات القسرية وهدم المنازل، ضمن الأفعال المحظورة بموجب القانون الدولي، ولا سيما الحظر الصريح للنقل القسري للسكان المدنيين.
وفي قطاع غزة، تفرض قيود واسعة على الوصول إلى الأراضي، بما في ذلك المناطق المحاذية للحدود (المناطق العازلة)، الأمر الذي يقيد بشكل جوهري قدرة السكان على الوصول إلى مواردهم وسبل عيشهم. وتُقيّم هذه الإجراءات في ضوء الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية السكان المدنيين، وحظر العقوبات الجماعية، وضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
يكتسب الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024 أهمية حاسمة، إذ أكد عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وبيّن بوضوح الالتزامات القانونية المترتبة على الدول، بما في ذلك واجب عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني، وعدم تقديم أي عون أو مساعدة في استمراره، وضرورة اتخاذ خطوات عملية للتعاون من أجل إنهائه.
كما أن مجمل السياسات والممارسات المطبقة في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك نظام السيطرة القانونية المزدوجة، والقيود المفروضة على الحركة والإقامة، والتوزيع غير المتكافئ للموارد، تشكل، في ضوء التعاريف المعتمدة في القانون الدولي، عناصر جريمة الفصل العنصري (الأبارتهايد) كما وردت في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة ونظام روما الأساسي، وهو توصيف تدعمه القراءة القانونية المتكاملة للوقائع في ضوء قواعد القانون الدولي.
وفي موازاة ذلك، يواجه نظام العدالة الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية وآليات الأمم المتحدة، محاولات متزايدة للضغط والتقويض من خلال إجراءات تستهدف العاملين فيه، بما يشمل فرض أو التلويح بفرض تدابير ضد قضاة وخبراء دوليين. وتشكل هذه الإجراءات مساسًا مباشرًا باستقلال القضاء الدولي، وتهديدًا خطيرًا لفعالية منظومة المساءلة، وتفتح المجال أمام تكريس الإفلات من العقاب.
في ضوء ما تقدم، يبرز الدور المهني لنقابات المحامين والهيئات القانونية في الدفاع عن النظام القانوني الدولي، وحماية استقلال مؤسساته، والتصدي لأي ممارسات من شأنها إضعاف مبدأ المساءلة أو تقويض سيادة القانون على المستوى الدولي.
وعليه، تدعو نقابة المحامين الفلسطينيين إلى ما يلي:
1- تعزيز العمل المهني والقانوني على تفسير وتفعيل مضامين الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام 2024، ولا سيما الالتزامات المتعلقة بعدم الاعتراف وعدم تقديم المساعدة.
2- اتخاذ مواقف قانونية واضحة إزاء السياسات والممارسات في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك توصيفها في ضوء قواعد القانون الدولي ذات الصلة، وبخاصة ما يتعلق بجريمة الفصل العنصري.
3- الدفاع عن استقلال منظومة العدالة الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية وهيئات الأمم المتحدة، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض عملها أو التأثير على أعضائها.
4- التواصل مع الجهات الوطنية المختصة لضمان امتثال الدول لالتزاماتها الدولية، والامتناع عن أي ممارسات قد تسهم في دعم أو تكريس الأوضاع غير القانونية.
5- دعم جهود التوثيق القانوني المهني، وتعزيز استخدام الآليات القضائية الوطنية والدولية المتاحة لمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
إن نقابة المحامين الفلسطينيين تؤكد أن حماية النظام القانوني الدولي وضمان احترام قواعده تقتضيان موقفًا مهنيًا حازمًا من المجتمع القانوني الدولي، بما يكفل صون مبادئ العدالة ومنع الإفلات من العقاب.
وتأمل النقابة أن يشكل هذا النداء أساسًا لتحرك قانوني مهني فاعل، يسهم في تعزيز سيادة القانون على المستوى الدولي.