واقع مؤلم يعيشه الانسان العربي من محيطه الى خليجه ، واقع تسيطر فيه السوداوية على عقل الانسان العربي ؟ ذلك الانسان الذي بات يعيش تحت مطرقة التشتت ؟ حالة من الاحباط تجعل من شخصيته اقرب الى الانفصام ، - ان جاز الوصف - فبينما يحلم بالحرية والكرامة ، تحاصره حالة من من الإحباط  جراء الفقر المدقع والتردي الاقتصادي وغياب العدالة الاجتماعية وأزمات بالشرعية السياسية  والتبعية والاغتراب عن ذاته ومجتمعه ، ما جذر في داخله شعورا مريرا يبعده عن حلمه ، ترجمه الكثير من ابناء أمتنا بالهروب الى الماضي وترويج الخرافات والعيش على الامجاد ، واحيانا الى اللجوء الى العنف والاتكالية . 

سلسلة من الهزائم مُنيت بها الامتين العربية والاسلامية بعد سقوط الدولة العثمانية ، وتقاسم تركتها بين الدول الاستعمارية ( بريطانيا وفرنسا في حينه ) وزرع جسم غريب في جسد الامة ( إسرائيل ) ما هو الا خنجر انغرس في الخاصرة العربية ، وما تبع ذلك من مجازر راح ضحيتها الملايين من ابناء الامة ، خلال اجهاض الثورات التي اندلعت طلبا للحرية واستئصال الجسم الخبيث من جسد الامة بوسائل قمعية مختلفة ، ولكن امام اصرار الشعوب على الحرية جرى الالتفاف عليها من خلال تفتيت الوطن العربي الى دويلات ومنح الاستقلال الشكلي لمعظمها وتنصيب حكام مواليين ، همهم الوحيد الحفاظ على عروشهم وكبت الشعوب المناهضة من خلال أجهزة استخباراتية مرتبطة بالاستخبارات الاستعمارية ، وبث الخوف ونشر الفقر ، بحيث ينصب تركيز الانسان العربي على تأمين قوته اليومي ومحو اي فكرة للتمرد ، وتعبيد الطريق نحو قبول والتعايش مع الجسم الخبيث المُنغرس في خاصرته . 

ولضمان ولاء الحكام ، والذين هم عرب ومسلمون فقط بالاسم ولكنهم غربيو الهوى ، يؤدون ادوارهم المشبوهة في تحقيق اهداف الصهيونية والامبريالية لنيل الرضى ، ومع ذلك لا يحظون الا بنظرة دونية واحتقار ممن ولاهم ، ولعل ما صرح به الرئيس الأمريكي دونالند ترامب عن ولي عهد المملكة العربية السعودية مثال حي على ذلك ، ولاجل ابقائهم تحت المطرقة وضمان عدم انحرافهم عن الخط الذي رُسم لهم ، جرى اغراقهم بالفساد الاقتصادي والاجتماعي وحتى الاخلاقي ، وتمويل اجهزتهم الاستخبارية لملاحقة كل من تسول له نفسه من ابناء شعوبهم بالعصيان ، ولاشغالهم اكثر قامت الدول الاستعمارية بمنحعم استقلال شكلي لكن مع ترسيم الحدود وزرع الفتنة بخلق مشاكل حدودية بينها ، وزرع النزعات الطائفية والكراهية بين كل شعب ، واشغالهم بنزاعات حدودية تحت مُسمى " تحريرما اقتطع من الارض " وبالتالي صرف الانظار عن اطماع ومخططات الجسم الخبيث بالتمدد في الجسد العربي !! 

الانسان العربي المغلوب على أمره ، يعيش بين مطرقة الواقع المريرالمحيط به من كل جانب ، وسنديان العاطفة والحنين الى امجاد الماضي والامل بتغيير قريب ينتشله من واقعه المؤلم ، لذا تراه يندفع عاطفيا وينجر سريعا نحو اي حدث فيه احساس وشعور بالكرامة والعزة الغائبة ، وحتى – المُغيبة بفعل فاعل - منذ زمن طويل كمحاولة للهرب من واقعه ، وينطبق عليه المثل الشائع : " الغريق يتعلق بقشة " ، بصرف النظر عن العواقب التي قد تترك آثارا سلبية على مسار حياته ، حالة من صراع مستمر، حالة من التشتت بين واقع سياسي واقتصادي مفروض ومُعقد ، وبين عواطف جياشة تُدخله في غياهب الماضي الحافل بالامجاد ، ما قد يؤثر على قراراته ومواقفه ، وما يفرض عليه تحديات كبيرة في تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة العملية وحرية الفكر والكرامة الشخصية. 

من دون شك انها سياسة مبرمجة ، قائمة على الترهيب والترغيب ، عنوانها محو الماضي المجيد من ذاكرة الانسان ، باغراق المجتمعات بالتفاهات والملذات واستبعاد دورالمُثقفين والمُفكرين والثوريين ، بترهيبهم من عدو وهمي تارة ، واستخدام الامن بملاحقتهم المُستمرة ووضعم تحت المجهر الامني تارة اخرى ، او اغداق الاموال عليهم واغراقهم بالفساد بكل اشكاله ، وصولا الى خلق جيل يُقدس الحاكم طوعا او اكراها ، لتفادي القهر والقمع ، او ربما للحفاظ على المُكتسبات ، وإتخاذ الثقافة الغربية قدوة ، والتنكر لثقافته وأمجاد اسلافه ، من خلال الاستعانة بسياسيين واقتصاديين وحتى رجال دين من شيوخ السلاطين ، ممن غُسلت أدمغتهم وسُيرت لخدمة اسيادهم في الغرب ، والابداع في تأدية ادوارهم الشيطانية !! 

ولكن هل هذا نهاية المطاف وهل بات الرضوخ للواقع المؤلم لا مفر منه ، من دون شك ان من يفقد الامل يفقد الحياة الحُرة الكريمة ، والامة العربية تمتلك تاريخ وامجاد وإمكانيات مختلفة ، لا يمكن محوها حتى لو تكالبت جميع القوى المعادية حولها وحاصرتها ، والامل بالله اولا ، ومن ثم بالشعوب الحُرة ذات التاريخ العريق ، لا يمكن ان تُهزم او ان تبقى رازحة تحت طائلة القهر والذل ، ومن هنا لا بد من توظيف الطاقات والإمكانات واستغلال الفرص ، وابتداع الوسائل الخلاقة والمضي قدما نحو الأهداف المرجوة بأقصى درجات الفاعلية ، وذلك من خلال رفع المعنويات ببث روح العزم والتصميم والمثابرة وعدم الاستكانة للواقع ، والتغلب على الصعاب ، بصرف النظر عن ماهية الخسائر التي تواجهها أو الصعوبات التي من كل بد سيجري التغلب عليها .