
تشهد الساحة الإعلامية في مصر في الآونة الأخيرة تصاعداً لافتاً في حدة الخطاب تجاه حركة حماس، في تطور لا يبدو عابراً أو منفصلاً عن السياق الإقليمي المتوتر. فالتوقيت، وطبيعة الرسائل، وتكرارها، جميعها مؤشرات توحي بأن الأمر يتجاوز مجرد تغطية إعلامية لحدث أمني، ليقترب من كونه تمهيداً لتحول أوسع في المقاربة المصرية تجاه الحركة.
إن تداول مقاطع مصورة تتضمن اعترافات منسوبة لأفراد مرتبطين بـجماعة الإخوان المسلمين حول تلقي تدريبات داخل قطاع غزة، يعيد إلى الواجهة ملف العلاقة المعقدة بين القاهرة وغزة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه الرسائل تمثل بداية لمرحلة جديدة من الضغط السياسي والأمني.
منذ عام 2013، تبنّت الدولة المصرية سياسة صارمة تجاه الإخوان المسلمين، واعتبرتهم تهديداً مباشراً للأمن الداخلي. وفي هذا الإطار، لم يكن قطاع غزة بعيداً عن الحسابات الأمنية المصرية، بحكم الجغرافيا والتداخلات السياسية. ومع ذلك، حرصت القاهرة طوال السنوات الماضية على إبقاء قنوات الاتصال مع حماس مفتوحة، مدفوعة باعتبارات براغماتية تتعلق بدورها كوسيط رئيسي في الملف الفلسطيني، وحرصها على استقرار حدودها الشرقية.
غير أن ما يتغير اليوم، على ما يبدو، ليس فقط مستوى الخطاب، بل طبيعة الرسائل ذاتها. فالإعلام، في مثل هذه السياقات، لا يعمل بمعزل عن توجهات الدولة، بل يشكّل في كثير من الأحيان أداة لتهيئة الرأي العام قبل الانتقال إلى خطوات أكثر حساسية. ومن هنا، يمكن قراءة هذا التصعيد بوصفه جزءاً من عملية إعادة تعريف للتهديدات، وإعادة ترتيب للأولويات في ضوء المتغيرات الإقليمية.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن البيئة الإقليمية الأوسع، حيث تتقاطع ملفات غزة مع علاقات مصر بكل من إسرائيل وتركيا، إضافة إلى توازنات معقدة تحكم أدوار الفاعلين الإقليميين. وفي ظل هذه المعادلة، تبدو القاهرة وكأنها تسعى إلى إعادة تموضع محسوب، يحقق لها هامشاً أكبر من السيطرة على حدودها، دون التفريط بدورها التقليدي كوسيط لا غنى عنه.
ومع ذلك، من غير المرجح أن تذهب مصر بعيداً نحو قطيعة كاملة مع حماس، فذلك يتعارض مع ضرورات الواقع الجغرافي والسياسي. لكن ما قد نشهده هو انتقال تدريجي من سياسة “التنسيق الحذر” إلى “الضغط المنظم”، حيث تُستخدم أدوات الإعلام والسياسة والأمن لإعادة ضبط العلاقة وفق شروط جديدة.
في المحصلة، لا يبدو أن ما يجري مجرد حملة إعلامية عابرة، بل أقرب إلى مؤشر على تحول في قواعد الاشتباك بين مصر وحماس. تحول قد لا يكون صدامياً بالضرورة، لكنه يعكس إعادة صياغة دقيقة للعلاقة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تختلط الحسابات الأمنية بالسياسية، وتُرسم السياسات على وقع التوازنات المعقدة لا الشعارات.