
صحفي وكاتب مختص في الشؤون الدولية، وباحث في قضايا العدالة والنزاعات المسلحة
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مسألة إقليمية محصورة في حدود الشرق الأوسط، بل أصبحت جزءًا من مشهد دولي أوسع يتشكل في ظل تحولات كبرى في بنية النظام العالمي. فالصراع الدائر حول البرنامج النووي الإيراني لا يتعلق فقط بمنع دولة من امتلاك سلاح استراتيجي، بل يتصل أيضًا بإدارة التوازنات الدولية، وضبط مسارات القوة في منطقة تُعدّ إحدى أكثر مناطق العالم حساسية من حيث الطاقة والأمن والجغرافيا السياسية.
من هذا المنظور، لا تبدو الولايات المتحدة معنية بالضرورة بإسقاط النظام الإيراني بقدر ما تسعى إلى منع تحوله إلى قوة نووية عسكرية. فامتلاك طهران لهذا النوع من القدرات سيؤدي إلى تغيير عميق في معادلات الردع في المنطقة، وسيمنح إيران هامشًا أوسع للتأثير في ملفات إقليمية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. والأهم من ذلك أن هذا التطور سيضع إسرائيل أمام واقع استراتيجي جديد، إذ ستكون للمرة الأولى في مواجهة قوة إقليمية تملك قدرة ردع نووية محتملة.
لكن الحسابات الأمريكية لا تتوقف عند حدود الشرق الأوسط. فواشنطن تنظر إلى الانتشار النووي باعتباره تهديدًا للنظام الدولي برمته. فكلما توسعت دائرة الدول المالكة للتكنولوجيا النووية العسكرية، ازدادت احتمالات الانفلات الاستراتيجي، وارتفعت مخاطر انتقال المعرفة أو المواد الحساسة إلى جهات غير حكومية أو شبكات مسلحة عابرة للحدود. وفي عالم يعيش أصلاً على وقع توترات متزايدة بين القوى الكبرى، فإن أي خلل في منظومة منع الانتشار قد يفتح الباب أمام سباقات تسلح جديدة يصعب احتواؤها.
وفي الوقت ذاته، تجري هذه المواجهة في سياق دولي يتسم بتراجع الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة وصعود قوى أخرى مثل الصين وروسيا. لذلك فإن الملف الإيراني يتحول أحيانًا إلى ساحة اختبار غير مباشرة للتنافس بين القوى الكبرى. فطهران، التي تسعى إلى كسر العزلة الغربية المفروضة عليها، تجد في الانفتاح على بكين وموسكو فرصة لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية، بينما ترى واشنطن في ذلك مؤشرًا إضافيًا على أن الملف الإيراني يتجاوز كونه أزمة إقليمية ليصبح جزءًا من صراع أوسع على شكل النظام الدولي القادم.
أما على المستوى الإقليمي، فإن أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها. فشبكة التحالفات والامتدادات السياسية والعسكرية المرتبطة بطهران في عدة ساحات تجعل من احتمال اتساع دائرة الصراع أمرًا واقعيًا. وهذا يعني أن المنطقة قد تنزلق إلى مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، خصوصًا إذا تحولت المواجهة إلى صراع متعدد الجبهات.
وفي خضم هذه التحولات، تبدو الدول العربية والإسلامية في موقع المتلقي أكثر من كونها طرفًا فاعلًا في صياغة مسار الأحداث. فضعف القدرة على بلورة رؤية إقليمية مشتركة، والانقسامات السياسية العميقة، جعلا من المنطقة ساحة تتقاطع فيها استراتيجيات القوى الكبرى أكثر مما هي فضاء لصناعة قرار مستقل.
إن ما يجري اليوم حول إيران لا يمكن فهمه فقط باعتباره أزمة بين دولتين، بل يجب النظر إليه بوصفه جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب التوازنات في النظام الدولي. فالمسألة تتعلق بمستقبل الردع النووي، وبموقع الشرق الأوسط في خريطة الصراع بين القوى الكبرى، وبمدى قدرة الدول الإقليمية على التحول من ساحات صراع إلى أطراف مؤثرة في صياغة مستقبلها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ستظل المنطقة مجرد مسرح لتنافس القوى الكبرى، أم ستتمكن في مرحلة ما من بناء توازناتها الخاصة التي تجعلها شريكًا في صناعة النظام الدولي بدل أن تكون مجرد ساحة لتجلياته؟