
تمر حركة حماس اليوم بواحدة من أكثر لحظاتها السياسية تعقيداً وحرجاً منذ تأسيسها، وذلك في ظل الحرب الإسرائيلية-الأميركية القائمة وتداعياتها التي تفرض إعادة رسم شاملة لخارطة التحالفات في الشرق الأوسط.
فالحركة التي لم تخرج بعد من أتون حرب مدمرة في قطاع غزة، خلفت آثاراً كارثية ما زالت قائمة على الفلسطينيين والبنية التحتية، تجد نفسها الآن أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية، لا يقتصر فقط على إدارة تحالفاتها الإقليمية المتناقضة، بل يمتد ليشمل كيفية الوفاء بالاتفاقات والالتزامات المترتبة عليها، والتي تتضمن التزاماً بإجراءات محددة وصارمة، مثل نزع السلاح ومغادرة حكم قطاع غزة، وإلا فإن بدء المرحلة الثانية من أي اتفاق، بما يشمله من انسحاب إسرائيلي كامل وعمليات إعادة إعمار واسعة، سيكون معرضاً للخطر والانهيار. هذا الواقع المرير يجعل الضغط الداخلي على الحركة لا يقل أهمية عن الضغوط الإقليمية، ويزيد من صعوبة الموازنة التقليدية بين طهران والدوحة.
في الأيام الأخيرة، برزت عن الحركة مواقف سياسية قد تبدو متباينة للوهلة الأولى. فمن جهة، سارعت حماس إلى إدانة الحرب على إيران وأعلنت بوضوح تام وقوفها إلى جانبها، وهو موقف لا يمكن اعتباره مجرد تعبير سياسي عابر، بل هو انعكاس لإدراك عميق داخل أروقة الحركة بأن العلاقة مع إيران كانت تمثل ركناً أساسياً ووجودياً في قدرتها على البقاء كقوة عسكرية وسياسية، خصوصاً في ظل استمرار المواجهة مع إسرائيل في قطاع غزة والضفة الغربية.
فعلى مدار سنوات طويلة، لعبت إيران الدور المركزي في دعم الحركة عبر التدريب العسكري المتقدم والتسليح النوعي والدعم المالي السخي، وهو ما ساهم في بناء قدرات عسكرية مكنتها من مواجهة إسرائيل وصياغة معادلات الردع. ومن هذا المنطلق، تنظر حماس إلى الحرب على إيران باعتبارها تهديداً مباشراً لكيان ومحور إقليمي تعتبر نفسها جزءاً أساسياً منه، وتوقن بأن أي إضعاف استراتيجي لإيران سينعكس بالضرورة على قدراتها الذاتية وعلى مستقبل ما يسمى بـ "محور المقاومة".
ولكن، وفي ذات السياق الزمني، صدر عن الحركة موقف آخر لافت دعت فيه إلى تجنب استهداف دول الخليج العربي، وشددت فيه على "حرمة الدم العربي". هذا التصريح لا يمكن قراءته بمعزل عن العلاقة الاستراتيجية الحيوية التي تربط الحركة بدولة قطر، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى الحاضنة السياسية والآمنة الأساسية لقيادة حماس في الخارج.
لقد وفرت قطر للحركة ما لم تتمكن دول أخرى من توفيره؛ مساحة سياسية آمنة، وقدرة عالية على التواصل مع أطراف إقليمية ودولية مختلفة، إضافة إلى دورها المحوري كخيار وحيد في الوساطات المتعلقة بقطاع غزة. لذا، فإن خسارة هذه الحاضنة القطرية تعتبر بالنسبة لحماس مغامرة غير مأمونة العواقب.
وصحيح أن تركيا قدمت تسهيلات مختلفة لقيادات الحركة، إلا أنها لا تزال بالنسبة لحماس بيئة سياسية أقل استقراراً وموثوقية مقارنة بقطر، التي نجحت في الحفاظ على توازن دقيق ومستدام في علاقاتها الدولية الإقليمية. إن هذين الموقفين المتباينين يوضحان حجم الضغط الهائل الذي تعيشه حماس في ظل تباين وجهات النظر داخلها، بين ما يُعرف بـ "تيار الخارج" الذي يمثله أحد أبرز قادته خالد مشعل، والباحث عن توازنات مع الدول العربية، و"تيار الداخل" المرتبط بقيادة غزة التي تواجه تداعيات الحرب وضغوط الميدان بشكل مباشر وتتمسك بالتحالف مع إيران كخيار بقاء عسكري.
هذا التباين لا يعني بالضرورة وجود انقسام تنظيمي حاد، لكنه يكشف عن معضلة سياسية حقيقية: كيف يمكن لحركة محاصرة ومستنزفة أن تحافظ على شبكة تحالفاتها المتعارضة في وقت تتغير فيه موازين القوى بسرعة البرق؟ خصوصاً وأن الحرب التي اندلعت بعد 7 أكتوبر قد فتحت مرحلة جديدة في الصراع، استغلها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للحديث عن إعادة تشكيل ما يسميه بـ "شرق أوسط جديد"، وهي رؤية تحظى بدعم واضح من دونالد ترامب وتهدف لتصفية القوى التي تعارض هذا المسار.
في هذا السياق المعقد، تبدو خيارات حماس كلها مكلفة وباهظة الثمن؛ فالتخلي عن إيران يعني خسارة أهم مصادر الدعم العسكري واللوجستي، بينما الابتعاد عن قطر قد يزج بالحركة في عزلة سياسية ودبلوماسية خانقة. وبين هذين الخيارين، تحاول الحركة السير على خيط رفيع جداً من التوازن القلق، متمسكة بخياراتها رغم فداحة التكلفة وتغير المناخ الإقليمي، مستندة إلى "براغماتية" تاريخية تحاول دائماً إيجاد حلول وسطى بين المواقف المتناقضة.
في المقابل، تتابع إسرائيل مواقف حماس الأخيرة باعتبارها دليلاً ملموساً على حجم الضغط السياسي الذي يطوق الحركة. ويرى بعض المحللين الإسرائيليين أن حماس تحاول الحفاظ على سياسة "تعدد الحلفاء" بين إيران التي وفرت الرصاص والصواريخ، وقطر التي توفر المظلة السياسية. لكن الحرب الحالية تجعل هذا التوازن أكثر صعوبة من أي وقت مضى، إذ تراهن إسرائيل على أن استمرار الضغط الميداني والسياسي سيؤدي في النهاية إلى إضعاف قدرة الحركة على الجمع بين هذه العلاقات، وربما يدفعها إلى مواجهة تناقضات داخلية حادة بين طموحات قيادات الخارج وواقع قيادات الداخل.
إن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم هو: إلى متى يمكن لهذا التوازن أن يصمد في منطقة تتغير تحالفاتها بسرعة غير مسبوقة؟ وهل ستنجح حماس في الحفاظ على علاقاتها المتشابكة، أم أن التحولات الجارية ستفرض عليها في النهاية اختياراً مريراً بين هذه المسارات المتعارضة؟
لقد عكست المواقف الأخيرة محاولة واضحة للحفاظ على شعرة معاوية بين علاقاتها الإقليمية، بالتوازي مع محاولة احتواء الضغط الداخلي الذي يطالب الحركة بوفاء الالتزامات وضمان الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، واستمرار مرحلة إعادة الإعمار واستمرار التهدئة. غير أن نجاح هذه المعادلة سيبقى مرتبطاً بقدرة الحركة على المناورة في بيئة شديدة التقلب، حيث لم تعد التحالفات الثابتة مضمونة، وقد يتحول الحفاظ على التوازن بين طهران والدوحة من سياسة ممكنة إلى واحد من أصعب التحديات الوجودية التي ستواجه الحركة في المرحلة المقبلة.
وفي منطقة يعاد تشكيل توازناتها السياسية والأمنية بقوة، قد تجد حماس نفسها مضطرة لإعادة تعريف موقعها، ليس بوصفه خياراً سياسياً فحسب، بل باعتباره معضلة استراتيجية ستحدد هامش حركتها وقدرتها على البقاء في السنوات القادمة، تماماً كما بدا في البداية مع الضغط الداخلي للحفاظ على الهدوء وضمان البدء في إعمار ما دمرته الحرب.