صدى نيوز - دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منعطفا هو الأكثر تعقيدا منذ اندلاعها، فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتبنى إستراتيجية مزدوجة تخلط بين "عروض إنهاء الحرب" المغرية وزيادة الحشود العسكرية قرب إيران مما ينذر باحتلال بري.

وفي حين تسرب واشنطن تفاصيل "خطة من 15 بندا" لإنهاء الحرب، يواصل البنتاغون جلب مزيد من القوات إلى تلك الرابضة في المنطقة، وسط ذهول إسرائيلي وتشكيك إيراني عميق في النوايا الأمريكية.

خطة الـ 15 نقطة

وقدمت إدارة ترمب لإيران عبر وسطاء من باكستان خطة شاملة مكونة من 15 بندا. هذه الخطة، التي وُصفت بأنها "أساس للمفاوضات"، تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار لتشمل ملفات شائكة، إذ تطالب الخطة بتفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني، ووقف برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم الوكلاء الإقليميين مثل حزب الله، وإعادة فتح الممرات المائية، مقابل رفع العقوبات.

ونقلت "القناة 12 الإسرائيلية" عن 3 مصادر أن واشنطن تسعى لفرض "هدنة شهر" لمناقشة هذه المبادئ. ترمب، من جانبه، صرح للصحفيين في البيت الأبيض يوم الثلاثاء بأن "الولايات المتحدة تجري محادثات مع الأشخاص المناسبين"، زاعما أن الجانب الإيراني "يرغب بشدة في إبرام صفقة".

هذا التفاؤل من قبل ترمب ترافق مع حديثه عما وصفه بـ"الهدية الكبيرة" التي قدمتها إيران وتتعلق بتدفق النفط والغاز في مضيق هرمز، مما اعتبره دليلا على جدية القيادة في طهران.

زيادة الحشود العسكرية

لكن هذه اليد الممدودة للسلام تقابلها "قبضة جاهزة للكم"، كما وصفها أحد مستشاري ترمب لموقع "أكسيوس"، ففي الوقت الذي يتحدث فيه البيت الأبيض عن المفاوضات، أفادت وكالة "أسوشيتد برس" وصحيفة "واشنطن بوست" بصدور أوامر بنشر ما لا يقل عن 1000 جندي إضافي من "الفرقة 82 المحمولة جوا" في الشرق الأوسط.

وتكمن خطورة هذه الخطوة في طبيعة هذه الفرقة، فهي "قوة الاستجابة الطارئة" المدربة على القفز بالمظلات وتأمين المطارات والبنى التحتية الحيوية في أراضٍ معادية خلال 18 ساعة فقط.

هذا الحشد، الذي يضم أيضاً نحو 50 ألف جندي من المارينز والبحارة الموجودين بالفعل على متن سفن حربية قريبة من المنطقة، ما يراه "مركز سوفان" للأبحاث مناورة تهدف لمنح ترمب "أقصى قدر من المرونة".

وتذهب التحليلات أبعد من ذلك، حيث تشير واشنطن بوست إلى أن خيار الإنزال البري، وتحديدا في "جزيرة خارك" الإستراتيجية، لا يزال مطروحا على طاولة ترمب، رغم أنه لم يتخذ قرارا نهائيا بعد.

وقد عزز وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، هذه الرؤية بقوله: "نحن نتفاوض باستخدام القنابل"، مؤكدا استمرار الضغط العسكري بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية.

طهران تخشى "الخديعة الثالثة"

على الجانب الآخر، لا يبدو أن العروض الأمريكية تثير حماسا في طهران بقدر ما تثير "الشكوك العميقة"، فموقع "أكسيوس" نقل عن مصدر مطلع أن المسؤولين الإيرانيين أبلغوا الوسطاء من باكستان ومصر وتركيا، بوضوح: "لقد خُدعنا مرتين من قبل ترمب، ولا نريد أن نُخدع مرة أخرى".

واسترجاع الأحداث يفسر هذا التوجس، ففي يونيو/ حزيران الماضي شنت إسرائيل هجوماً بدعم أمريكي قبل أيام من محادثات بشأن برنامج النووي، والحرب الأمريكية إسرائيلية الجارية على إيران وقعت بعد يومين فقط من اتفاق مبدئي في جنيف.

وشنت وكالات الأنباء الإيرانية الرسمية هجوما مضادا على رواية ترمب، إذ نفى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وجود أي مفاوضات مباشرة، واصفاً إياها بـ"الأخبار الكاذبة".

ونقلت وكالة "تسنيم" عن مصدر عسكري أن لجوء ترمب للتصريحات نابع من "سوء وضع مخزونه من الذخائر الهجومية والدفاعية"، وأنه يسعى لكسب الوقت لتنفيذ خططه العسكرية أو خفض أسعار الطاقة العالمية التي التهبت بسبب إغلاق مضيق هرمز. أما مقر خاتم الأنبياء فقد أعلنها صراحة أن أمريكا تفاوض نفسها.

وترى طهران في حشد القوات دليلا على سوء النية، وتؤكد عبر مصادرها الأمنية أن "الرسائل الأمريكية مخطط خادع" لن يثنيها عن الدفاع والرد الواسع.

الوسطاء وتحركات إسلام آباد

وفي سباق الأمتار الأخيرة "وسط هذا الانسداد"، يبرز دور الوسطاء، إذ كتب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عبر موقع "إكس" عن استعداد بلاده لتسهيل "محادثات حاسمة"، فيما ضغط وسطاء من مصر وتركيا لعقد اجتماع في إسلام آباد خلال 48 ساعة.

وأشارت صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن واشنطن عرضت مشاركة شخصيات رفيعة مثل المبعوث ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، بل وحتى نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، لإثبات جدية المحادثات. واختيار فانس تحديدا له دلالة، إذ ذكرت مصادر لأكسيوس أن ويتكوف أوصى به لأن الإيرانيين لا يعتبرونه من تيار الصقور المتشدد ضد إيران.

ومع ذلك، تظل الفجوة هائلة، فالمطالب الإيرانية بإغلاق القواعد الأمريكية في المنطقة ودفع تعويضات ضخمة، ورفض التفاوض لطالما استمرت "عملية الغضب الملحمي" تقابل بطلبات أمريكية بإنهاء كامل الملف النووي وإنهاء الملف الصاروخي الإيراني وهو ما ترفضه إيران تماما.

الموقف الإسرائيلي

إسرائيل، من جهتها، تراقب المشهد بحذر مشوب بالعدوانية. فوكالة أسوشيتد برس نقلت عن مصدر مطلع أن المسؤولين الإسرائيليين الذين كانوا يحثون ترمب على مواصلة الحرب "فوجئوا" بعرض وقف إطلاق النار.

وفي ظل ذلك يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي شن غارات جديدة على العاصمة الإيرانية طهران، صباح اليوم الأربعاء، استهدفت بنية تحتية ومناطق سكنية.

وأكد مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة أن بلاده "لا تشارك في أي محادثات" وتواصل استهداف المواقع العسكرية، في حين زعمت القناة 14 الإسرائيلية أن "حصانة مؤقتة" حصل عليها عباس عراقجي وقاليباف من الاستهداف، لكن ذلك لم يمنع تل أبيب من الإصرار على استمرار القصف حتى ضمان "تفكيك القدرات النووية والباليستية الإيرانية".

وفي رسالة واضحة، نقلت يديعوت أحرونوت عن مسؤولين رفيعي المستوى أنهم لا يتوقعون اتفاقا سريعا، واصفين القيادة الإيرانية بـ"الكذابين المبدعين".

مستقبل التفاوض العنيف

يبدو أننا أمام مرحلة "عض أصابع" إستراتيجية، فترمب يريد استكشاف ما إذا كانت إيران ستقدم تنازلات "لم تكن مستعدة لتقديمها سابقا" تحت ضغط القصف، وإيران تراهن على نفوذها في أسواق الطاقة وضغط أسعار الوقود العالمية لانتزاع اتفاق أفضل.

وبحسب تقارير إعلامية، فمن المخطط أن تستمر الحرب لمدة أسبوعين إلى 3 أسابيع إضافية، حتى لو انطلقت المحادثات. ويعتمد السيناريو القادم على قدرة "الوسطاء الثلاثة" على إقناع الطرفين بالجلوس في إسلام آباد، لكن إنزالا بريا أمريكيا محتملا، قد يفتح مسارات جديدة للحرب.