منذ حلقته الأولى، قدّم مسلسل “مولانا” نفسه كعمل درامي يتجاوز الحكاية التقليدية إلى مساحة أكثر التباسًا وجرأة، حيث تتقاطع السياسة بالفلسفة، والواقع بالرمز. تدور أحداثه في “العادلية”، تلك القرية التي تختصر عالمًا كاملًا من الخوف والسلطة والتبعية، تحت حكم عسكري صارم يقوده العقيد كفاح. في قلب هذا الواقع، تظهر شخصية جابر، الذي يتحوّل تدريجيًا إلى “مولانا”، رمزٍ ملتبس بين الإيمان والخداع، وبين الأمل والوهم. ومع تصاعد الأحداث، لا يكتفي المسلسل بسرد قصة صراع، بل يبدأ بتفكيك الأسس التي يقوم عليها هذا الصراع: من يصنع السلطة؟ ولماذا نؤمن بها؟ وهل نحن ضحاياها… أم شركاء في استمرارها؟

في لحظةٍ مفصلية من السرد، لا ينهار البطل… بل تنهار الحاجة إليه. هنا تحديدًا، ينجح العمل في نقل المشاهد من موقع التلقي إلى موقع التساؤل: ماذا لو لم يكن “المخلّص” سوى فكرة اخترعناها كي نهرب من مسؤوليتنا؟ وماذا لو كان سقوطه هو الشرط الأول لبداية أي تحرر حقيقي؟

لا يقدّم “مولانا” حكاية عن صراع بين سلطة وشعب بقدر ما يقدّم تفكيكًا دقيقًا للبنية النفسية التي تجعل هذا الصراع ممكنًا أصلًا. فالعادلية، بوصفها فضاءً رمزيًا، لا تعيش تحت وطأة القمع فقط، بل داخل منظومة أعمق من الخوف المُعاد إنتاجه يوميًا. الخوف هنا ليس نتيجة السلطة، بل هو شرط استمرارها. ومن دون هذا الخوف، لا يعود للعقيد ولا لثكنته أي معنى.

في هذا السياق، تتشكّل شخصية جابر لا كبطل تقليدي، بل كمرآة لرغبة الجماعة. لم يكن “مولانا” مشروعًا فرديًا بقدر ما كان إسقاطًا جمعيًا؛ حاجة نفسية إلى مركز، إلى صوت واحد يختصر الفوضى، ويمنحها شكلًا يمكن الإيمان به. وهنا تكمن المفارقة: الجماعة التي تطمح إلى التحرر، هي نفسها التي تعيد إنتاج تبعيتها عبر إيمانها بالمخلّص.

لكن العمل ينقلب على هذه المعادلة في لحظة حاسمة: حين ينسحب جابر في ذروة المواجهة. ظاهريًا، يبدو هذا الانسحاب خيانة أو هروبًا، لكنه في مستوى أعمق يمثل تفكيكًا جذريًا لفكرة “المنقذ”. فغيابه لا يؤدي إلى الانهيار، بل إلى الفعل. وكأن المسلسل يقول بوضوح قاسٍ: لم تكونوا بحاجة إليه يومًا، بل كنتم بحاجة إلى وهمه فقط كي تتحركوا.

هنا، تتحوّل خدعة جواد إلى لحظة فلسفية بامتياز. حين يقنع الناس بأن “مولانا” حدّد موعد الهجوم، لا يكون قد نقل حقيقة، بل خلقها. الفعل الجماعي لم ينبع من وعيٍ كامل، بل من استمرار الوهم. وهذا ما يجعل المشهد أكثر إرباكًا: هل كان التحرر حقيقيًا، أم أنه مجرد نتيجة لوهمٍ آخر؟ وهل يمكن لوعيٍ مزيّف أن يقود إلى نتيجة حقيقية؟

في الجهة المقابلة، يقف العقيد كفاح بوصفه تجسيدًا للسلطة في أقصى صورها اختزالًا: سلطة الخوف العاري. غير أن العمل لا يسقط في فخ تصويره كقوة مطلقة، بل يكشف تدريجيًا عن هشاشته البنيوية. فالعقيد لا يملك السلطة بقدر ما يُدار بها؛ يعتمد على خوف الآخرين ليبقى، وحين يتلاشى هذا الخوف، يتلاشى هو معه.

لحظة هروبه ليست مجرد سقوط درامي، بل انكشاف فلسفي: السلطة التي لا تستند إلى شرعية داخلية، لا تحتاج إلى هزيمة عسكرية كي تنهار، بل إلى لحظة إدراك. أما نهايته، بانفجاره بلغمٍ زرعه بنفسه، فهي ليست عقابًا بقدر ما هي اكتمال منطقي لمسارٍ قائم على العنف. فالأدوات التي تُستخدم للسيطرة، تحمل في داخلها إمكانية الانفجار، لا كاحتمال، بل كقدر.

يبقى جابر، بعد خلع العباءة، أكثر الشخصيات التباسًا. هل تحرر فعلًا من الدور، أم أنه أدرك متأخرًا أنه كان جزءًا من لعبة أكبر؟ اختفاؤه لا يقدّم إجابة، بل يعمّق السؤال. وعودته في مشهد القطار، حيث تتقاطع النهاية مع البداية، تفتح أفقًا دائريًا للزمن: لا شيء ينتهي، بل يعاد تشكيله.

هذه الدائرية ليست مجرد تقنية سردية، بل موقف فلسفي من التاريخ نفسه. فالمجتمعات، كما يوحي العمل، لا تتقدم بخط مستقيم، بل تدور حول أنماطها، تعيد إنتاجها بأقنعة جديدة. العادلية التي تحررت من الثكنة، تعود جزئيًا إلى ما كانت عليه، وكأن السقوط الحقيقي لم يكن في النظام، بل في البنية العميقة التي تسمح بظهوره.

من هنا، يطرح “مولانا” سؤالًا أكثر قسوة: هل يمكن لأي تغيير سياسي أن يكون كافيًا، إذا لم يترافق مع تحوّل في الوعي؟ الإجابة التي يلمّح إليها العمل ليست متفائلة. فإسقاط السلطة لا يعني إسقاط شروطها، والنجاة من القمع لا تعني التحرر منه. لأن القمع، في صورته الأكثر رسوخًا، لا يُفرض من الخارج فقط، بل يُعاد إنتاجه من الداخل.

أحد أكثر جوانب العمل إثارة للقلق هو تفكيكه لفكرة “صناعة القداسة”.

ـ”مولانا” لم يكن كذبة فردية، بل حقيقة جماعية تم التمسك بها حتى بعد انكشافها. هذا التمسك لا يعكس سذاجة بقدر ما يعكس حاجة: الحاجة إلى الإيمان، إلى معنى، حتى لو كان زائفًا. وهنا، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل المشكلة في من يصنع الوهم، أم في من يحتاج إليه؟

بهذا المعنى، لا يقدّم “مولانا” نهاية بقدر ما يفتح جرحًا. لا يجيب، بل يحرّض. لا يمنح الطمأنينة، بل يسحبها من تحت أقدام المشاهد. وربما تكمن قوته الحقيقية هنا: في أنه لا يكتفي بسرد حكاية، بل يدفعنا إلى مواجهة احتمالٍ غير مريح… أن المخلّص الذي ننتظره، ليس سوى انعكاسٍ لخوفنا من أن نكون نحن المسؤولين.

 يجيب، بل يحرّض. لا يمنح الطمأنينة، بل يسحبها من تحت أقدام المشاهد. وربما تكمن قوته الحقيقية هنا: في أنه لا يكتفي بسرد حكاية، بل يدفعنا إلى مواجهة احتمالٍ غير مريح… أن المخلّص الذي ننتظره، ليس سوى انعكاسٍ لخوفنا من أن نكون نحن المسؤولين.