
أكتب هذا النص وأنا أتمنى أن أكون مخطئًا، بل أرجو ذلك بكل ما أملك من يقينٍ إنساني، لكن قراءة الوقائع على الأرض لا تُطمئن. ثمة إشارات تتكاثر، لغة تتصاعد، وسلوكيات تتحول من الاستثناء إلى القاعدة، وكلها تدفع إلى استشعار خطرٍ محدق قد يتخذ شكل مجزرة أو مجازر يرتكبها المستوطنون في لحظة انفلاتٍ أو تغطيةٍ سياسية وأمنية. هذا المقال ليس إنذارًا للاستهلاك، ولا خطابًا عاطفيًا للتهويل، بل محاولة جادة لقراءة ما قبل الكارثة، على أمل أن تُسهم القراءة في منع وقوعها.
في ظلّ وجود أكثر من نصف مليون مستوطن، أغلبهم مسلّح، تتبدّى معادلة اختلال خطيرة تُلقي بظلالها على مجمل القرى الفلسطينية، التي تعيش يوميًا تحت ضغطٍ مركّب من الخوف والترقّب وانعدام الأمان. لم يعد الأمر حوادث معزولة، بل واقعًا ممتدًا تتعرض فيه القرى لاعتداءات متكررة، من اقتحامات وتخريب وتهديد مباشر للسكان وممتلكاتهم، في بيئة يشعر فيها المعتدي بقدرة أكبر على الفعل، ويشعر فيها الضحية بعزلة متزايدة. هذا الاختلال في موازين القوة، إذا ما استمر دون ردع حقيقي أو حضور دولي فاعل، لا يخلق فقط حالة توتر دائمة، بل يفتح الباب أمام احتمالات أكثر خطورة قد تنزلق نحو عنف واسع النطاق يصعب احتواؤه.
ما نشهده اليوم ليس مجرد توتر اعتيادي، بل تحوّل في نمط الفعل. الاعتداءات لم تعد فردية أو عشوائية، بل باتت تحمل سمات التنظيم، والتكرار، والجرأة المتزايدة. الخطير في الأمر ليس فقط الفعل ذاته، بل السياق الذي يحيط به: شعور بالإفلات من العقاب، وبيئة خطابية تُشرعن العنف، وصمت دولي يُفسَّر كضوء أخضر غير معلن. هذه العناصر حين تجتمع، لا تنتج فقط تصعيدًا، بل تخلق شروطًا موضوعية لانفجار كبير.
التاريخ هنا ليس بعيدًا، بل حاضرٌ في الذاكرة الحيّة. ما جرى في عام 1948، في مجازر مثل مجزرة دير ياسين ومجزرة الطنطورة، لم يكن حدثًا معزولًا، بل جزءًا من سياقٍ أوسع تداخلت فيه القوة مع الصمت. يومها أيضًا، لم تبدأ المأساة دفعة واحدة، بل سُبقت بإشارات، وتحذيرات، ووقائع صغيرة لم تجد من يوقفها في الوقت المناسب. الصمت الدولي، أو الاكتفاء بالتعبير عن القلق، لم يمنع الكارثة، بل جعلها ممكنة.
وهذا ما يجعل المقارنة اليوم مؤلمة وخطيرة في آنٍ معًا. حين تتكرر الأنماط، ويتشابه السياق، يصبح تجاهل التاريخ خطأً فادحًا. المجازر لا تُولد من فراغ، بل من بيئة تسمح لها أن تنمو. وحين يشعر الفاعل أن لا كلفة حقيقية لأفعاله، فإن حدود العنف تتسع تلقائيًا.
ما يزيد من خطورة المرحلة هو التداخل بين العاملين الأمني والسياسي. حين يغيب الضبط الفعلي على الأرض، أو يتراخى، وحين تتقدم روايات متطرفة إلى واجهة القرار أو التأثير، يصبح العنف خيارًا متاحًا، لا مخاطرة. وهنا تحديدًا تكمن نقطة التحول: من ردود فعل متفرقة إلى فعل جماعي واسع النطاق.
لكن، إذا كان التشخيص قاتمًا، فإن الغاية من هذا المقال ليست تكريسه، بل البحث عن مخارج. أول هذه المخارج هو كسر الصمت. التحذير المبكر ليس ضعفًا، بل مسؤولية. يجب أن تتحول المؤشرات الحالية إلى مادة ضغط سياسي وإعلامي، ليس فقط محليًا، بل على المستوى الدولي. التوثيق المهني والدقيق لكل انتهاك، وتقديمه في إطار قانوني واضح، يمكن أن يحدّ من شهية التصعيد، ويعيد طرح السؤال الأخلاقي على العالم: إلى متى يمكن للصمت أن يستمر؟
ثانيًا، هناك حاجة ملحّة لإجراءات حماية ميدانية، سواء عبر تنظيم لجان محلية مجتمعية، أو تعزيز التنسيق بين الجهات الرسمية والأهلية لضمان سرعة الاستجابة لأي طارئ. الوجود البشري المنظّم، والرصد المبكر، يمكن أن يشكلا عنصر ردع نسبي، أو على الأقل يحدّان من اتساع الأذى.
ثالثًا، لا بد من إعادة بناء خطاب داخلي متماسك، يُركّز على الصمود الواعي لا الانفعال، وعلى الحماية لا الانتقام. الانزلاق إلى ردود فعل غير محسوبة قد يخدم منطق التصعيد بدل كبحه. المطلوب هنا هو توازن صعب: وعي بالخطر، دون الوقوع في فخ الفوضى.
رابعًا، على المستوى السياسي، يجب تحريك كل القنوات الممكنة لفرض رقابة وضغط حقيقيين على الجهات القادرة على التأثير. الاكتفاء بالإدانة لم يعد كافيًا؛ المطلوب إجراءات ملموسة تُعيد الاعتبار لفكرة المساءلة، وتمنع تكرار ما حدث حين كان الصمت شريكًا غير معلن في المأساة.
في النهاية، هذا النص ليس نبوءة، بل محاولة لمنعها. الخطر حين يُرى بوضوح، يصبح بالإمكان تفاديه أو تقليل آثاره. أما تجاهله، فهو الطريق الأسرع لتحققه. وبين ذاكرة 1948 وقلق الحاضر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نتعلم من التاريخ، أم نسمح له أن يعيد نفسه بصورة أكثر قسوة؟