اقتصاد صدى - حتى قبل أن تشعل حرب إيران موجة ارتفاع في أسعار الطاقة، كانت ماليزيا قد برزت بين اقتصادات جنوب شرق آسيا كوجهة مفضلة جديدة للمستثمرين العالميين.

فقد عزّزت فترة نادرة من الاستقرار السياسي، إلى جانب تدفقات الاستثمار إلى التصنيع عالي القيمة ومراكز البيانات، جاذبية ماليزيا، في وقت كانت فيه دول مجاورة تواجه تغييرات على مستوى القيادة وضغوطاً مالية.

ومع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، تعزز هذا التميز أكثر، إذ اتجه المستثمرون نحو أسواق يُنظر إليها على أنها أقدر على امتصاص التقلبات.

أسهم ماليزيا تتفوق رغم حرب إيران

تفوّق المؤشر القياسي للأسهم في ماليزيا على نظرائه الإقليميين خلال مارس -في وقتٍ أربكت حرب إيران الأسواق العالمية- مستفيداً من كون البلاد من بين الدول الآسيوية القليلة المصدّرة الصافية للطاقة. في المقابل، بقيت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية الخارجة من الأسهم المحلية محدودة نسبياً، رغم موجة بيع واسعة طالت معظم الأسواق الآسيوية الناشئة. كما حافظ الرينغيت على مكاسبه أمام الدولار منذ بداية العام، متفوقاً على نظرائه من العملات.

رفع ألكسندر ريدمان، كبير استراتيجيي الأسهم لدى "سي إل إس إيه" (CLSA) في سنغافورة تقييم السوق إلى "محايد" بدلاً من "دون الوزن" طالما استمرت حرب إيران، وقال "إنها الوجهة التي يلجأ إليها المستثمرون عندما تسوء الأوضاع في أماكن أخرى".

وأضاف أن ماليزيا في موقع قوي نسبياً، إذ تحقق فائضاً في الحساب الجاري، وتُعد مصدّراً صافياً للنفط والغاز، كما أن وزن الطاقة في سلة مؤشر أسعار المستهلكين لديها أقل مقارنة بدول أخرى.

ارتفاع أسعار النفط يمنح ماليزيا دفعة إضافية

قد تمنح موجة ارتفاع أسعار النفط، المدفوعة بالصراع في الشرق الأوسط، دفعة إضافية لإيرادات ماليزيا التي تمتلك موارد نفط وغاز بحرية قبالة ولايات بورنيو وترنغانو، في وقت تواجه فيه دول أخرى ضغوطاً متزايدة من ارتفاع تكاليف الطاقة. وتشير التقديرات إلى أن الإيرادات المرتبطة بالقطاع النفطي ستشكل نحو 12.5% من دخل الحكومة في عام 2026.

هذا الزخم ساعد البلاد على تفادي موجات نزوح حادة لرؤوس الأموال كما في أسواق أخرى، إذ سجّلت الصناديق العالمية صافي مبيعات بنحو 80 مليون دولار من الأسهم المحلية منذ بداية الشهر وحتى يوم الجمعة، في حين لم يتراجع مؤشر "إف تي إس إي بورصة ماليزيا كوالالمبور المركب" (FTSE Bursa Malaysia KLCI Index) سوى بنسبة 1.2%. كما ظلت تدفقات المستثمرين الأجانب إلى الأسهم إيجابية خلال هذا الربع.

دعم السياسات

المبادرات الاقتصادية التي تطرحها ماليزيا تضعها في مكانة متميزة مقارنة بنظرائها في جنوب شرق آسيا. ففي وقت تواجه تايلاند وإندونيسيا ضبابية على صعيد السياسات، طرحت حكومة رئيس الوزراء أنور إبراهيم خططاً لتعزيز الإنفاق على صناعة أشباه الموصلات، وبناء القدرات في مجالات التصنيع والطاقة المتجددة.

وأسهمت هذه الاستراتيجية في زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مستوى قياسي العام الماضي. كما ساعد الارتفاع القياسي بالتجارة وأعداد السياح في دفع نمو ماليزيا ليتجاوز معظم اقتصادات جنوب شرق آسيا في 2025. ورغم التحديات الجيوسياسية، لا تزال الحكومة متمسكة بتوقعاتها للنمو خلال العام الجاري.

إلى جانب "سماتها الدفاعية"، تمضي ماليزيا أيضاً في مسار نمو، بحسب توتيانا جوسات، كبيرة مسؤولي الاستثمار للدخل الثابت في ماليزيا ورئيسة الصكوك العالمية لدى "أموندي" (Amundi) في كوالالمبور، التي تبدي نظرة إيجابية تجاه الديون المحلية. وأضافت أن الشركات تواصل التوسع، في وقت يظل فيه الطلب على إصدارات الشركات قوياً ومشجعاً.

وتبرز أسهم البنوك، مثل "مالايان بانكينغ" (Malayan Banking)، إلى جانب الشركات الاستهلاكية مثل "إم آر دي.آي.واي غروب" (MR D.I.Y. Group) من بين الأفضل أداءً على المؤشر منذ بداية العام، مستفيدة من متانة الاقتصاد.

كما حققت أسهم قطاع النفط والغاز، بما في ذلك "بتروناس كيميكالز" (Petronas Chemicals Group) و"بتروناس داغانغان" (Petronas Dagangan) تقدماً أيضاً.

ماليزيا تتفوق على جاراتها

قال جيمس تشين، أستاذ الدراسات الآسيوية في جامعة تسمانيا، إن "كثيرين يرون أن ماليزيا تمر بمرحلة ممتازة حالياً". مضيفاً أن البلاد تمتلك قاعدة قوية من العمالة المتعلمة وبنية تحتية تتفوق على معظم نظرائها في المنطقة، ما يعزز قدرتها على الحفاظ على تفوقها.

حيث تواجه إندونيسيا تحديات في استعادة ثقة المستثمرين، بعد خفض وكالات التصنيف نظرتها المستقبلية، وتحذير "إم إس سي آي" (MSCI) من احتمال تراجعها إلى فئة الأسواق الحدودية. وفي تايلاند، يضغط ارتفاع ديون الأسر وضعف النمو الاقتصادي على الأداء، بينما تعاني الفلبين تداعيات فضيحة فساد مرتبطة بمشاريع الأشغال العامة.

مع ذلك، استمرار الحرب في إيران قد يدفع إلى مزيد من تدفقات رؤوس الأموال الخارجة من الأسواق الناشئة، بما فيها ماليزيا. كما قد ترتفع فاتورة الدعم إذا بقيت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، ما يضغط على خطط خفض العجز المالي. في حين قد تثير مزاعم التواطؤ بين رجال أعمال ومسؤولين معنيين بمكافحة الفساد قلق المستثمرين.

الاستفادة من الذكاء الاصطناعي

ينوّه تان تنغ بو، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة "كابيتال دايناميكس" (Capital Dynamics)بأن موقع ماليزيا ضمن منظومة الرقائق العالمية هو عامل جذب.

وإذا يبدي إعجابه بشركات التكنولوجيا المحلية، ومنها "دوفو تكنولوجي" (Dufu Technology)، يتوقع تان أن يرتفع المؤشر القياسي للأسهم إلى ما بين 2500 و3000 نقطة خلال العامين المقبلين، علماً بأن مؤشر "كوالالمبور المركب" أنهى تداولات يوم الاثنين عند 1696.56 نقطة.

ونجحت ماليزيا في ترسيخ مكانتها في مجالات تجميع أشباه الموصلات واختبارها وتغليفها، مع خطط للتوسع نحو مراحل إنتاج أعلى قيمة، تشمل تصميم رقائقها الخاصة. كما تبرز البلاد كوجهة صاعدة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في المنطقة، والتي يُقدّر أنها أسهمت بنحو 14.1 مليار رينغيت (3.6 مليار دولار) في اقتصاد ماليزيا خلال 2025.

تواصل الاستثمارات في ولاية جوهور جنوب البلاد، التي تُعد مركزاً رئيسياً لمراكز البيانات، اكتساب الزخم. كما يُتوقع أن يمهّد إنشاء منطقة اقتصادية خاصة مشتركة مع سنغافورة الطريق أمام مزيد من المشاريع في المنطقة.

وتعزز هذه التطورات جاذبية ماليزيا الاستثمارية، في وقت تبحث الصناديق عن ملاذات أكثر أماناً في أوقات الاضطرابات.

ويوضح هارفي برادلي، الرئيس المشارك لاستراتيجيات أسعار الفائدة العالمية لدى "إنسايت إنفستمنت": "يسعى المستثمرون إلى تحديد الأسواق التي تمنحهم قدراً أكبر من الاطمئنان على رؤوس أموالهم في الأجل القريب، وكانت ماليزيا من بين أبرز الأسواق المستفيدة من هذا التوجه".