
تتزايد في الأيام الأخيرة المؤشرات على تراجع الأوضاع الاقتصادية في إسرائيل، وذلك حتى قبل احتساب التكاليف الاقتصادية والمالية المباشرة للحرب.
استمرار ارتفاع الأسعار
نشرت دائرة الإحصاء المركزية مساء الأحد 15 آذار/مارس مؤشر غلاء المعيشة لشهر شباط/فبراير الماضي، أي قبل اندلاع الحرب على إيران و"حزب الله". وتشير المعطيات إلى أن التوقعات التي رجّحت تراجع الأسعار أو استقرارها لم تكن دقيقة.
فقد ارتفع مؤشر غلاء المعيشة في شهر شباط/فبراير بنسبة 0.2% مقارنة بشهر كانون الثاني/يناير، وهو ارتفاع يفوق توقعات الاقتصاديين الذين قدّروا زيادة المؤشر بنحو 0.1% فقط. ونتيجة لذلك ارتفع معدل التضخم السنوي قليلًا ليبلغ 2% في شباط/فبراير، مقارنة بـ1.8% في كانون الثاني/يناير.
ومع ذلك، فإن الارتفاع الحالي لا يعكس بعد تأثيرات الحرب التي بدأت في 28 شباط/فبراير، إذ من المتوقع أن تدفع هذه التطورات مؤشر أسعار المستهلك لشهر آذار/مارس إلى مزيد من الارتفاع، ولا سيما في ظل الارتفاع الكبير في أسعار النفط العالمية وارتفاع تكاليف سلاسل التوريد والنقل الدولي.
كما أن ارتفاع مؤشر غلاء المعيشة يقلّص من احتمال خفض سعر الفائدة الأساسية لبنك إسرائيل، حتى من دون احتساب التكاليف والآثار الاقتصادية والمالية للحرب. وقد يؤدي ذلك إلى إبطاء وتيرة الاستهلاك والاستثمار، وهما من المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي.
أما بعد الحرب، فمن المتوقع أن تتفاقم هذه المشكلات والأزمات الاقتصادية. ويعود ذلك إلى الارتفاع الكبير في النفقات العسكرية، نتيجة استخدام كميات كبيرة من الصواريخ الدقيقة والصواريخ الاعتراضية ذات التكلفة المرتفعة. ويضاف إلى ذلك العبء المالي الناجم عن تجنيد أعداد كبيرة من قوات الاحتياط، فضلاً عن تكلفة الأضرار المادية والدمار في البلدات الإسرائيلية، وتعطل النشاط الاقتصادي، وهو ما سيؤدي إلى خسائر في الناتج المحلي وتراجع في جباية الضرائب.
ومن شأن كل ذلك أن يدفع إلى ارتفاع العجز المالي للحكومة وزيادة الدين العام. وبهذا المعنى قد يتحول مشروع موازنة الحكومة الجديد، الذي أُقر في الحكومة ويجري نقاشه حاليًا في الكنيست تمهيدًا لإقراره، إلى مشروع ميزانية غير واقعي لا يواكب التغير في الظروف الاقتصادية.
تقليصات في ميزانية الحكومة استباقًا للأزمات
للتعامل مع تكاليف الحرب الحالية، أقرت الحكومة الإسرائيلية لغاية الآن تقليصًا عامًا في ميزانية الحكومة بنسبة 3%. بالمقابل، أقرت تخصيص ميزانية إضافية تقارب 39 مليار شيكل لتغطية نفقات الحرب، منها نحو 28 مليار شيكل لوزارة الأمن، إضافة إلى نحو مليار شيكل لتغطية مصاريف مدنية. إلى جانب ذلك، أُنشئ صندوق إضافي بقيمة تقارب 10 مليارات شيكل، يُفعّل عند الحاجة. أي ما يعادل نحو 1.85% من الناتج المحلي الإجمالي. ويشير ذلك إلى أن الحكومة تتوقع أن تتجاوز التكلفة الإجمالية للحرب حجم الميزانيات المخصصة لها حاليًا.
زيادة الميزانيات تعني، في حال لم تتخذ الحكومة إجراءات تقشف إضافية وتقليصًا إضافيًا في الميزانية، أو لم تتحقق إيرادات حكومية استثنائية، ولا سيما من الضرائب، أن العجز المالي للحكومة في نهاية عام 2026 قد يبلغ أكثر من 6%، بعد أن كان الهدف المحدد في مشروع الميزانية 3.9% فقط.
تساؤلات حول قدرة الحكومة على التعامل مع الوضع الاقتصادي النا شئ
بدأ الإعلام الإسرائيلي في الأيام الأخيرة بطرح تساؤلات متزايدة حول قدرة الحكومة الحالية على التعامل مع التكلفة المالية والاقتصادية للحرب، ومع العبء المتزايد على ميزانية الحكومة لعام 2026. كما يثير عدد من المحللين تساؤلات بشأن طبيعة السياسة المالية الحالية وجدواها، في ظل اعتمادها على فرضيات اقتصادية يصفها البعض بأنها غير واقعية.
ويزداد هذا الجدل في ظل استمرار الحكومة في تخصيص ميزانيات لشركاء الائتلاف الحكومي، ولا سيما للمجتمع الحريدي وللاستيطان. ويرى العديد أن هذه السياسة والميزانيات لا تسهم في تحقيق نمو اقتصادي، بل تأتي على حساب ميزانيات الوزارات الخدمية والتنموية الأخرى.
على سبيل المثال، كتب شلومو تايتلباوم، المحلل الاقتصادي في صحيفة "كلكاليست" (15 آذار/مارس)، أنه "منذ اندلاع الحرب ونحن نكتب عن الإدارة المالية غير السليمة للحكومة. وقد استخدمنا غير مرة كلمات قاسية مثل التفريط والنهب وانعدام المسؤولية. أما الآن، ففي الميزانية المعدّلة لعام 2026 نجد أن الحكومة تحطّم أرقامًا قياسية في غياب المسؤولية... بل إننا نصل إلى مستوى جديد ومقلق من التدهور؛ فهذه هي المرة الأولى التي لا يمكن فيها العثور على أي مؤشرات على مسؤولية مالية من قبل الحكومة".
منذ اندلاع الحرب على إيران أصبح التعامل مع الميزانية الحكومية استثنائيًا حتى وفق معايير هذه الحكومة. فقد طالبت وزارة الأمن، أولاً، بإضافة مبلغ ضخم يقارب 82 مليار شيكل، منها نحو 42 مليار شيكل لتمويل العملية العسكرية، و40 مليار شيكل إضافية لاستكمال قاعدة الميزانية. ويعني ذلك أن الوزارة لم تعتبر ميزانية الأمن التي أُقرت قبل نحو شهرين ميزانية نهائية، بل كانت تنتظر الفرصة لطلب مزيد من الأموال. إن مجرد تقديم مثل هذا الطلب يُعد إشارة تحذير واضحة.
ثانيًا، حصلت وزارة الأمن فعليًا على نحو 39 مليار شيكل من مطالبها: 32 مليار شيكل لتمويل العملية العسكرية، إضافة إلى 7 مليارات شيكل كاحتياطي يُرجَّح أن يتم استخدامه لاحقًا.
ثالثًا، وهو الأمر الأهم، أن الزيادة الكبيرة في الميزانية لم تُرفق بأي خطة طويلة الأمد لتمويل هذا الارتفاع في النفقات. فقد تمكنت الحكومة من جمع نحو 1.85 مليار شيكل فقط من خلال تقليصات في ميزانيات الوزارات والأموال الائتلافية، إضافة إلى 900 مليون شيكل نتيجة إلغاء إصلاحات سوق الحليب. أمّا بقية التمويل فجاء عبر زيادة العجز، إذ ارتفع العجز المتوقع من 3.6% إلى 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
رابعًا، في الوقت الذي يقفز فيه العجز المالي، أصبح سموتريتش أكثر سخاءً في ما يتعلق بإصلاحات الضرائب وتوسيع شرائح الضريبة. فرغم تدهور الوضع المالي وقلة الموارد، يقبل سموتريتش على توسيع الشرائح الضريبية، إضافة إلى زيادة الامتيازات الضريبية على المشتريات عبر الإنترنت.
ويعني ذلك، وفقًا لتايتلباوم، أن الاقتصاد الإسرائيلي يقف عند لحظة مفصلية، وإن كانت الحرب تُخفي هذه الحقيقة إلى حد ما. فالقرارات التي اتخذتها الحكومة خلال الأسبوع الأخير تضع إسرائيل على مسار تصاعدي للدين العام. وإذا لم يصدر في الأسابيع التي تلي انتهاء الحرب موقف واضح من الحكومة بشأن التزامها بتقليص الدين العام، فلن يكون مفاجئًا أن تعاقب الأسواق العالمية إسرائيل.
أما الارتفاع في مدفوعات الفوائد فهو غير مسبوق؛ ففي عام 2023 كانت التقديرات تشير إلى أن إسرائيل ستدفع نحو 67 مليار شيكل فوائد في عام 2027. أمّا الآن فتشير التقديرات إلى أن هذه المدفوعات ستبلغ نحو 93.3 مليار شيكل في عام 2027، وذلك من دون احتساب تكلفة الحرب الحالية.
خطوات نحو ارتفاع التضخم وزيادة العجز
إلى جانب احتمال ارتفاع الدين العام نتيجة الحرب الحالية، تنتهج الحكومة سياسات تُغذّي ضغوط التضخم المالي، أبرزها: الحرب نفسها، وزيادة العجز المالي، وخفض الضرائب. وفي ظل هذه الظروف سيجد بنك إسرائيل صعوبة في خفض أسعار الفائدة، رغم قوة الشيكل التي تُصعّب أوضاع المصدّرين، ورغم انتظار الأسواق والأسر لهذه الخطوة منذ فترة طويلة.
ومن المتوقع أيضًا أن تؤدي الحرب إلى تراجع النمو الاقتصادي خلال العام الحالي من 5.2% إلى 4.7%، وفقًا لتقديرات وزارة المالية. غير أن عددًا من خبراء الاقتصاد في إسرائيل يرون أن هذا التقدير متفائل، وأن تباطؤ النمو قد يكون أكبر من ذلك، ولا سيما إذا طال أمد الحرب. ونقل الصحفي أدريان بيلوط في صحيفة "كلكاليست" الاقتصادية (16 آذار/مارس) عن هؤلاء الخبراء تقديرهم بأن استمرار الحرب لفترة أطول قد يفرض ضغوطًا إضافية على الاقتصاد الإسرائيلي ويؤدي إلى تراجع أكبر في معدلات النمو.
ومن المرجح، في ظل السياسات الحكومية الحالية والنتائج المالية والاقتصادية للحرب، أن يرتفع العجز المالي للحكومة إلى نحو 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ويزداد هذا الاحتمال في ظل عدم قيام وزارة المالية حتى الآن بتعديل توقعاتها لإيرادات الضرائب، إذ لا تأخذ في الحسبان احتمال تراجع الجباية نتيجة الحرب، وكذلك تباطؤ النمو الاقتصادي.
الاقتصاد... من داعم إلى عبء
تفاخرت إسرائيل بقدرة اقتصادها على تحمّل صدمات وتكاليف الجولات المتتالية من الحروب التي شنّتها منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. لكن من الواضح اليوم أن الاقتصاد الإسرائيلي يدخل الحرب الحالية في ظروف مختلفة. وقد تتحول المؤشرات المالية للحكومة إلى عامل يقيّد قدرة إسرائيل على توسيع الحرب وإطالة أمدها.
فقد استنفد الاقتصاد، إلى حد كبير، قدرته على تحمّل تكاليف الحرب وامتصاص الصدمات. كما لجأت إسرائيل على نطاق واسع إلى الاقتراض من الأسواق العالمية، ما دفع العجز المالي إلى مستويات مرتفعة. وأي زيادة إضافية في العجز قد ترفعه إلى أكثر من 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع الدين العام إلى ما يتجاوز 70%، قد يخلق صعوبات جدية أمام العودة إلى مسار نمو اقتصادي مستقر بعد انتهاء الحرب.
وفي ضوء هذه المعطيات يبرز سؤال مركزي في الحرب الحالية على إيران و"حزب الله": هل ما زال الاقتصاد الإسرائيلي يشكّل عامل قوة داعمًا للمجهود الحربي، أم أنه بدأ يتحول إلى عائق أمام استمرار الحرب؟