
صدى نيوز - تزيد تطورات المشهد العسكري والسياسي في المنطقة من احتمال دخول الحرب على إيران مرحلة أكثر خطورة، وشهدت الأيام الأخيرة تكثيف إسرائيل والولايات المتحدة من استهداف مواقع مرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية، إلا أنّ محور الحرب الحالية هو مضيق هرمز.
فرضت إيران إغلاقا فعليا للمضيق بتهديد السفن التجارية ومهاجمة بعضها، وقد أدى ذلك إلى حجب ما يقارب من 15% من إمدادات النفط العالمية، فضلا عن صادرات الغاز الطبيعي المُسال من قطر، أكبر منتج له في العالم (إذ تمثل صادراتها 20% من صادرات الغاز الطبيعي المُسال عالميا).
وبحسب مصادر أميركية وتقارير صحافية، لم تخطط إدارة ترامب بجديّة لمواجهة إغلاق مضيق هرمز، ما يعدّ دليلا آخر على قصر نظرها في إدارة الحرب والاستعداد لها.
ويحاول ترامب مواجهة إغلاق المضيق بإنشاء تحالف دولي بحري يؤمن الملاحة عبر المضيق، إلا أنّ مجلة "ذا إيكونوميست" البريطانية، رجّحت أنّ ترامب سيواجه صعوبة في الوفاء بوعده بفتح المضيق وتأمينه، إذ إنّ جغرافية المضيق تصبّ في مصلحة إيران، وكذلك عدم استعداد شركات الشحن والتأمين للمخاطرة.
وفي المقابل، تواجه إيران معضلة هي الأخرى، لأنّ إغلاق المضيق حتى الآن لم يكن سوى انتصار تكتيكي لم يحقق هدفها الإستراتيجي المتمثل في إنهاء الحرب، بحسب "ذا إيكونوميست". وقد تدفع معركة هرمز كلا الجانبين نحو تصعيد محفوف بالمخاطر.
يبلغ عرض المضيق 54 كيلومترا فقط عند أضيق نقطة، وتحيط به الجبال من الجانبين، مما يجعل إعادة فتحه أمرا بالغ الصعوبة على الولايات المتحدة.
فإيران لا تحتاج إلى استهداف كل سفينة عابرة، بل يكفيها إقناع مالكيها وبحّارتها بخطر استهدافهم. لذا، فإن إرسال قوات أميركية لتأمين المضيق ليس بالأمر الوارد، وفق "ذا إيكونوميست"؛ نظرًا إلى حجم القوة المطلوبة، كما أنّه يمكن لإيران مواصلة إطلاق النار من أراضيها على القوات الأميركية.
إذا لم ينجح ترامب في فتح المضيق، فقد يُصعّد في مكان آخر
تذكر المجلة أنّ ترامب كان مهووسا بجزيرة خرج لعقود طويلة، التي تضمّ ميناء تصدير النفط الرئيس لإيران. فقد صرّح في مقابلة عام 1988 بأنّه لو كان رئيسا فإنّه "سيُدمّرها". ويوم 13 آذار/ مارس الجاري قصفت الولايات المتحدة عشرات الأهداف العسكرية الإيرانية في الجزيرة، مستهدفة مستودعات الصواريخ والألغام البحرية، لكنها لم تستهدف ميناء النفط.
ويحثّ معلّقون في قناة "فوكس نيوز" والسيناتور ليندسي غراهام على احتلال الجزيرة، وقد كتب غراهام أنّ "من يسيطر على جزيرة خرج، يسيطر على مصير هذه الحرب". وختم تغريدته بعبارة "سيمبر فاي"، (دائما مخلصون)، وهي اختصار لشعار مشاة البحرية الأميركي، (مارينز).
وكتب غراهام التغريدة بعد ساعات من إعلان البنتاغون عن إعادة نشر وحدة استكشافية من مشاة البحرية، من اليابان إلى الشرق الأوسط، تختص في هذا النوع من المهمات.
قد تتمكن الولايات المتحدة من الاستيلاء على الجزيرة. لكنّ ما سيحدث بعد ذلك غير واضح، إذ ستضطر إلى تأمين قواتها على أراضٍ تقع ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية .
و بحسب توصيف "ذا إيكونوميست"، فقد يستخدم ترامب احتلال الجزيرة للضغط على إيران لعقد اتفاق، لكنّ النظام الإيراني عنيد. ستتأثر أسواق النفط سلبا بانخفاض إضافي في الإمدادات، إذ لا تزال إيران تصدّر أكثر من مليون برميل يوميا إلى الصين، كما سيرتفع احتمال نشوب حرب برية أطول.
أدى إغلاق المضيق إلى ارتفاع أسعار النفط لتتجاوز 100 دولار للبرميل. وقد خفضت العديد من الحكومات الآسيوية استخدام أجهزة التكييف في مكاتبها، وقلّصت نظام العمل للموظفين الحكوميين إلى أربعة أيام في الأسبوع، أو شجعتهم على العمل من المنزل لمواجهة نقص الطاقة.
وبدأت آثار هذه الاضطرابات تمتد لتشمل قطاعات الاقتصاد غير النفطي أيضا، إذ تضاعفت أسعار الهيليوم، المستخدم في الرعاية الصحية والصناعة، منذ بدء الحرب، فيما ارتفعت أسعار اليوريا، وهو سماد، بأكثر من النصف.
وبالرغم من هذه الارتفاعات في الأسعار والنقص في المواد، لم تُلحق إيران ضررا كبيرا بالولايات المتحدة في الوقت الحالي، الذي من شأنه أن يدفع ترامب إلى إنهاء الحرب.
كما أنّ ما يحدّ من ارتفاع الأسعار حاليا هو وجود خطَّي أنابيب نفط يتجاوزان مضيق هرمز. الأول في السعودية، ينقل ما يصل إلى 7 ملايين برميل يوميا، ما يعادل ثلثي إنتاج المملكة، إلى موانئ البحر الأحمر.
والثاني، في الإمارات العربية المتحدة، ينقل نحو نصف إنتاج الدولة البالغ 3.4 مليون برميل يوميا إلى ميناء الفجيرة، الواقع خارج المضيق.
وبالرغم من ذلك، لا تُمثّل هذه الخطوط سوى حل جزئي للسعودية والإمارات، بحسب "ذا إيكونوميست"، وهي لا تُقدم أي مساعدة تُذكر للبحرين والكويت وقطر، التي تعجز عن إيصال نفطها وغازها إلى المشترين. ومع ذلك، ستضمن هذه الخطوط استمرار تدفق حصة كبيرة من نفط الخليج، إذ تُبحر عشرات ناقلات النفط حاليا نحو الساحل الغربي للسعودية لتحميل النفط.
يترجّح أنّ إيران ستواصل السعي إلى تعطيل الشحن عبر هذين الخطّين، وفي ليلتي 12 و13 آذار/ مارس الجاري، أطلقت طهران أكثر من 50 طائرة مسيّرة على منشآت النفط السعودية، بعد أن كان عددها محدودا جدا في بداية الحرب.
وفي 14 آذار/ مارس الجاري، حاولت استهداف ميناء الفجيرة النفطي. جرى اعتراض الطائرة المسيّرة، لكنّ الحطام تسبب في حريق وأدى إلى وقف مؤقت لصادرات النفط. ورغم استئنافها في صباح اليوم التالي، إلا أنّ الهجوم كان بمثابة تذكير بأنّ مضيق هرمز ليس نقطة الضعف الوحيدة في إمدادات النفط الخليجية. ومن المرجّح وقوع المزيد من هذه الهجمات، وليس مستبعدا أن تحاول إيران أيضا استهداف خطوط الأنابيب نفسها؛ إذ يُعد خط الأنابيب في السعودية مكشوفا بشكل خاص، حيث يمتد لأكثر من 1200 كيلومترا عبر الصحراء.
ومع وجود هذا العدد الكبير من ناقلات النفط المتجهة إلى البحر الأحمر، قد تشجع إيران الحوثيين على استئناف حملتهم ضد الملاحة البحرية. وكان الحوثيون قد عطّلوا حركة الملاحة في البحر الأحمر إلى حد كبير عام 2024 بإطلاقهم صواريخ على السفن. وقد يكون هجوم واحد من هذا القبيل الآن كافيا لإثارة حالة من الذعر في الأسواق، بحسب "ذا إيكونوميست".
وفي المقابل، إذا أقدمت إيران على أي من هذه الأفعال، فقد تجرّ دول الخليج إلى الحرب بنفسها، وقد حذّر السعوديون من أنّ إلحاق أي ضرر بمنشآتهم النفطية سيمثّل تجاوزا لـ"الخط الأحمر".
خلصت "ذا إيكونوميست" إلى أنّ كِلا الجانبين في مأزق؛ فليس أمام الولايات سبيل سهل لإعادة فتح مضيق هرمز، فيما قد لا تتمكن إيران من إجبار ترامب على إنهاء الحرب بإبقاء المضيق مغلقا.