صدى نيوز - ما زالت المعارف الفلكية الشعبية حاضرة في ثقافة كثير من المجتمعات العربية، ومن بينها مجتمع المناصير في شمال السودان، حيث احتفظت الذاكرة الشعبية بجملة من أسماء النجوم والقصص المرتبطة بها، والتي كانت تؤدي دورا عمليا في معرفة الفصول واتجاهات السير وأوقات الليل.

وتُتَناقل هذه المعارف شفهيا عبر الأجيال، وغالبا ما كانت الجدّات والآباء يروونها للأطفال في سياق التعليم والتسلية معا.

بنات نعش.. نجوم العنقريب

من أشهر المجموعات النجمية المعروفة في التراث العربي بنات نعش، وهي النجوم السبعة البارزة في كوكبة الدب الأكبر. ويعرفها أهل المناصير بهذا الاسم كذلك، ويشبّهون شكلها في السماء بالعنقريب (السرير الخشبي التقليدي).

وفي الموروث الشعبي تروى عبارة كانت الجدّات يطلبن من الأطفال ترديدها 7 مرات متتالية دون أن يلتقطوا أنفاسهم، وهي: "بنات نعش للنعش احسب السبعي دخل الجني".

وكان الاعتقاد الطريف المصاحب لذلك أن من استطاع قولها 7 مرات متتابعة دون تنفّس فإنه سيدخل الجنة. ويبدو أن هذا القول كان أقرب إلى لعبة لفظية أو طرفة شعبية تهدف إلى التسلية وإثارة فضول الأطفال أكثر من كونه اعتقادا جادا.

نجوم العصايات والمعيزي والتمساح

تعرف مجموعة النجوم الثلاثة المتراصة على خط واحد باسم العصي أو العصايات، وهي في الحقيقة النجوم الثلاثة الشهيرة في حزام كوكبة الجبار. ويلاحظ أهل المنطقة انتظام المسافات بينها، الأمر الذي جعلها تبدو كأنها ثلاث عصي مصطفة.

وبالقرب من النجم الواقع في طرف هذا الصف تظهر نجمة صغيرة تسمى في الموروث المحلي "المعيزي"، أي المعزة الصغيرة. وبعدها تظهر نجوم باهتة أصغر حجما تعرف باسم التمساح.

وحول هذه النجوم، تروى قصة شعبية مفادها أن التمساح يحاول افتراس المعيزي، غير أن العصايات الثلاث تقف حائلا بينهما، فتحميها وتمنع التمساح من الوصول إليها. وهكذا تبقى النجوم في السماء في هذا الوضع الرمزي منذ زمن بعيد.

الثريا ومواقيت الحر

تحظى مجموعة الثريا بمكانة خاصة في التقويم الشعبي؛ إذ كان الناس يراقبون أوقات طلوعها وغروبها لما يرتبط بذلك من تغيّر في الطقس. فعند غيابها في بعض فترات السنة يشتد الحر ويكثر انتشار العقارب، ولذلك كان الناس يصفون تلك الأيام بقولهم: "هذه أيام مغايب الثريا".

وقد ارتبطت هذه الفترة أيضا بأدعية وتعوذات شعبية، مثل قولهم: "يا نبي الله نوح يا قاري اللوح"، في إشارة إلى طلب الحماية من الحر والآفات.

نجوم العقرب وتغيرات الطقس

تعد كوكبة العقرب من أبرز الكوكبات التي ارتبطت بمراقبة الفصول. ويصفها أهل المنطقة على أنها مجموعة نجوم تشبه شكل العقرب المعروف، ولذلك جاءت تسميتها. ويلاحظ ظهورها في السماء تدريجيا عبر مراحل يربطها الناس بتغيرات الطقس.

تبدأ المرحلة الأولى بظهور نجوم مقدمة العقرب، والتي تسمى محليا الشارب، ويصاحب ذلك انخفاض طفيف في درجات الحرارة يعرف بـ"برد الشارب". ثم تظهر نجوم جسم العقرب وأرجله، وفي وسطها نجمة مائلة إلى الحمرة تسمى القليب أو "قلب العقرب"، ومع ظهورها يبدأ الجو في الدفء قليلا، فيقال عندها "حرة القليب".

بعد ذلك يظهر ذيل العقرب فجرا شيئا فشيئا، وهو أول طلوعه، حتى تكتمل صورته بظهور شوكته، وعندها يبلغ البرد ذروته، وهو ما يعرف عند أهل المنطقة باسم برد الشوكي، وغالبا ما يتوافق ذلك مع أشد فترات الشتاء برودة.

نجمة الجدي وتحديد الاتجاه

من النجوم المهمة في الملاحة التقليدية نجم الجدي، وهو النجم القطبي الذي يبدو ثابتا تقريبا في السماء. وقد اعتمد عليه الناس في تحديد الاتجاهات، ومن بينها اتجاه القبلة. وكان يقال إن من يقف بحيث يكون نجم الجدي إلى يسار نظره قليلا يكون متجها نحو القبلة.

مجرة درب التبانة في المخيال الشعبي

أما الشريط النجمي اللامع الذي يمتد عبر السماء، المعروف علميا باسم مجرة درب التبانة، فقد ارتبط في المخيال الشعبي بعدة تسميات وتفسيرات. ففي بعض الروايات يسمى مجرة الكبش، وتربط القصة الشعبية بينه وبين الكبش الذي جاء به جبريل عليه السلام فداء للنبي إسماعيل عليه السلام.

وفي روايات أخرى، خاصة في بعض البلدان العربية، يقال إن هذا الشريط النجمي يشبه أثر قافلة كانت تحمل جوالات من التبن، فانفتح أحدها وسقط منه التبن تاركا أثرا ممتدا في السماء، وهو تفسير خيالي يعبّر عن محاولة الإنسان القديم تفسير الظواهر السماوية بما يراه في حياته اليومية.

تكشف هذه الروايات الشعبية عن حضور عميق للسماء في الحياة اليومية للمجتمعات التقليدية. فقد كانت النجوم بالنسبة لهم تقويما طبيعيا، ودليلا للمسافرين، ومصدرا للقصص والرموز الثقافية.

وعلى الرغم من أن التفسيرات العلمية الحديثة قد فسّرت طبيعة هذه النجوم والكوكبات بدقة، فإن القيمة التراثية لهذه القصص تبقى شاهدة على الطريقة التي فهم بها الإنسان السماء عبر العصور.

المصدر: مواقع إلكترونية