صدى نيوز - على مدى عقود، اعتاد علماء الأعصاب تقسيم الدماغ إلى شبكات متخصصة، من بينها شبكة للانتباه، وأخرى للذاكرة، وثالثة للغة، وأخرى للتفكير المنطقي.. لكن سؤالاً ظل بلا إجابة واضحة: إذا كانت هذه الأنظمة منفصلة، فلماذا نشعر بأن عقولنا تعمل كوحدة واحدة متماسكة؟

وفي سبيل الوصول إلى تفسير للسؤال المركب، اقترحت دراسة حديثة من جامعة نوتردام الأميركية إجابة مختلفة، وهي أن الذكاء لا يقيم في منطقة "ذكية" محددة داخل الدماغ، بل ينشأ من طريقة تواصل الشبكات الدماغية معاً وقدرتها على التنسيق بكفاءة ومرونة، بحسب تقرير في موقع "ScienceDaily" العلمي.

ويشير علم النفس منذ أكثر من قرن إلى مفهوم "الذكاء العام"، وهو الملاحظة التي تفيد بأن الشخص الذي يبرع في الذاكرة غالباً ما يبرع أيضاً في الانتباه وحل المشكلات واللغة.. وهذا الترابط بين القدرات المعرفية يوحي بوجود أساس موحد خلفها جميعاً، لكن تحديد هذا الأساس ظل تحدياً علمياً.

ويرى الباحثون أن المشكلة لم تكن في تحديد "أين يوجد الذكاء"، بل في فهم "كيف ينشأ". واعتمد الفريق البحثي على بيانات تصوير دماغي متقدم لـ831 بالغاً ضمن مشروع "الكونكتوم البشري"، إضافة إلى عينة مستقلة من 145 شخصاً.

وبدلاً من التركيز على منطقة محددة في الفص الجبهي أو الجداري كما فعلت دراسات سابقة، درس الباحثون البنية الشبكية الكاملة للدماغ، أي طريقة ارتباط المناطق ببعضها.

وكانت النتيجة الواضحة أن الذكاء يرتبط بخصائص عامة للنظام الدماغي بأكمله، مثل كفاءة نقل المعلومات ومرونة إعادة تنظيم الشبكات وقوة الروابط بعيدة المدى بين المناطق، إلى جانب وجود مراكز تنظيمية تتحكم في تدفق المعلومات.

الدماغ كنظام متكامل

ووفقاً لما يُعرف ب"نظرية علوم الشبكات العصبية"، فإن الذكاء يظهر عندما تتوزع المهام بين أنظمة متخصصة مختلفة، ويتم دمج مخرجات هذه الأنظمة بكفاءة، ثم تتواصل المناطق البعيدة عبر "اختصارات" عصبية سريعة، وبذلك يتحقق توازن بين التخصص المحلي والتكامل العالمي.

وبمعنى آخر، فإن الدماغ يشبه مدينة ضخمة، وكل حيّ له وظيفة خاصة، لكن الأداء الأمثل يحدث عندما تكون الطرق السريعة بين الأحياء فعالة وسلسة.

وتشير الدراسة إلى أن الذكاء ليس مهارة واحدة ولا وظيفة محددة، بل خاصية ناشئة عن تنظيم النظام بأكمله.

وهذا قد يفسر لماذا يزداد الذكاء خلال الطفولة مع نضج الشبكات العصبية، ولماذا يتراجع أحياناً مع التقدم في العمر، ولماذا تؤثر الإصابات الدماغية الواسعة على القدرات المعرفية بشكل عام، وأيضا لماذا لا تزال أنظمة الذكاء الاصطناعي تعاني من صعوبة نقل مهاراتها من سياق لآخر؟

ويرى الباحثون أن بناء "ذكاء اصطناعي عام" قد لا يتحقق فقط عبر تحسين مهارة محددة، بل عبر تصميم أنظمة تحاكي التنظيم الشبكي الشامل للدماغ البشري.

فالذكاء البشري يتميز بالمرونة والقدرة على التكيف عبر مواقف مختلفة، وهي ميزة تنبع من البنية المتكاملة للدماغ، لا من وحدة معالجة واحدة.

والخلاصة أن الذكاء ليس "نقطة" داخل الدماغ، ولا شبكة منفردة يمكن تحديدها بسهولة، بل هو نتيجة تعاون واسع النطاق بين شبكات متعددة تعمل بتناغم. وعندما يعمل الدماغ كوحدة واحدة متكاملة.. يظهر الذكاء.