بعد أن أعادت الحرب الإسرائيلية الأخيرة تشكيل المشهدين الاقتصادي والسياسي الفلسطيني، تراجعت معدلات التشغيل، وتعطلت سلاسل التوريد، وانهارت جزئيًا البنية التحتية الإنتاجية. هذا الانكماش نتج أيضًا عن تضييق السيولة النقدية، وارتفاع تكاليف الشحن والمواد، وانخفاض الطلب الكلي بفعل القيود الأمنية وأيضاً كان انعكاساً مباشراً للقصف والدمار، حيث أن الناتج المحلي الإجمالي في 2025 بقي أقل ب24% عن مستوى 2023، مع توقعات نمو ضعيفة في 2026. في هذا السياق، برزت الاتفاقيات الثنائية والدولية كآليات تدخلية تهدف إلى امتصاص الصدمة، لكنها لم ترقَ إلى مستوى إعادة هيكلة الاقتصاد الفلسطيني أو تحريره من التبعية البنيوية التي كرستها اتفاقيات أوسلو وبروتوكول باريس.

الاتفاقيات مع قطر بشأن تشغيل العمالة الفلسطينية قد تمثل مجرد ترتيبات تشغيلية مؤقتة، لكنها  فتحت نافذة جزئية نحو سوق عمل خارجي في ظل انسداد السوق المحلي، بما يخفف من حدة البطالة التي وصلت إلى 28.5% في الربع الثالث من 2025، ويحد من عمق الانكماش عبر تدفقات نقدية جديدة. أما برامج البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، فقد ركزت بدرجة أكبر على دعم البنية التحتية، ومشاريع الطاقة المستدامة، والتحول الرقمي، في محاولة لتعويض التراجع في القدرة الإنتاجية وتقليل الضغط على ميزان المدفوعات. ومع ذلك، يمكن قراءة هذه التدخلات ضمن إطار سياسات التثبيت الاقتصادي أكثر من كونها سياسات تنموية طويلة الأمد؛ فهي تستجيب لصدمة الحرب وتسعى إلى تسكين آثارها المباشرة، دون أن ترتقي إلى مستوى السياسات الهيكلية القادرة على إعادة صياغة العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل أو مع النظام التجاري الدولي.

ورغم طابعها الظرفي، تفتح هذه الاتفاقيات فرصًا يمكن استثمارها ضمن إطار سياسات التنويع الاقتصادي. فالعمالة الخارجية توفر تحويلات مالية، وتخلق إمكانية لتراكم رأسمالي إذا ما أُنشئت آليات قادرة على تحويل هذه التدفقات إلى استثمارات إنتاجية محلية، يجدر الذكر هنا أن قيمة التحويلات من الخارج بلغت  في 2024 حوالي 735 مليون دولار، بانخفاض حاد عن 3.2 مليار دولار في 2023 وذروة 4.6 مليار دولار في 2022، لكن ورغم هذا الانحدار، فقد شكلت التحويلات من الخارج 16.5% من الناتج المحلي الاجمالي في  2025 ما يعكس استمرار الاعتماد على الخارج.    

كما يتيح دعم البنية التحتية والتحول الرقمي إعادة بناء جزء من القاعدة الإنتاجية على أسس أكثر مرونة، بينما تسهم مشاريع الطاقة المستدامة في تخفيف عبء الاستيراد وتحسين ميزان المدفوعات. غير أن هذه الإمكانات تبقى مشروطة بطريقة إدارتها، وبالقدرة على توظيفها ضمن رؤية تتجاوز منطق الاستجابة الطارئة.

لكن هذه الفرص تواجه تحديات بنيوية عميقة. فالسيطرة الإسرائيلية على المعابر والحدود تعني استمرار القيود على حرية حركة رأس المال والبضائع، وهو ما يضعف أي محاولة لبناء اقتصاد أكثر استقلالًا. كما أن الاعتماد على المساعدات الدولية يكرس حالة من الاعتماد الريعي، حيث يصبح الاقتصاد الفلسطيني رهينًا لتقلبات السياسة الدولية. ويعطل غياب استراتيجية فلسطينية موحدة القدرة على صياغة سياسات صناعية متكاملة، فيما يضعف الانقسام السياسي الداخلي بناء مؤسسات اقتصادية جامعة قادرة على إدارة هذه الفرص.

الفرص التي تتيحها الاتفاقيات الجديدة لا يمكن التعامل معها بذات المنطق الذي حكم التمويل المشروط في العقود الماضية. فقد أسهم ذلك المنطق في تكريس اقتصاد يعتمد على تدفقات خارجية مرتبطة بأجندات سياسية، من دون أن يترجم إلى تراكم رأسمالي محلي أو بناء قاعدة إنتاجية مستدامة. المطلوب اليوم هو تحويل هذه التدخلات من أدوات استجابة استثنائية مرتبطة بالواقع الأمني والسياسي إلى لبنات أولى ضمن مشروع اقتصادي أكثر تحررًا. ويتطلب ذلك تحويل تحويلات العمالة والمنح الدولية إلى رأسمال اجتماعي منتج عبر مبادرات مجتمعية مستقلة ومشاريع صغيرة ومتوسطة قادرة على توليد قيمة مضافة محلية. فهذه الاتفاقيات، رغم ما توفره من فرص آنية، تبقى مقيدة بالإطار الذي رسخته أوسلو وباريس، وعاجزة عن خلق استقلالية اقتصادية فعلية ما لم تُدرج ضمن رؤية مقاومة شعبية واعية.

تنطلق الرؤية الاقتصادية المقاومة من حقيقة أن التبعية لإسرائيل تبعية بنيوية قسرية، وفي ظل غياب صناديق استثمار وطنية حكومية أو آليات حوكمة فعالة لإدارة رأس المال الشعبي، يصبح الفعل الاقتصادي المقاوم فعلًا شعبيًا - تعاونيًا، يقوم على دور الأفراد، والتعاونيات، والنقابات، والقطاع الأهلي في تحويل التدفقات المالية إلى مشاريع إنتاجية محلية، وبتكريس الاقتصاد القاعدي والذي يمكن بناؤه من الشعب صعوداً إلى الدولة وليس العكس.

في مجال الاقتصاد المعرفي (Knowledge-based Economy)، يمكن الاستثمار في رأس المال البشري عبر التعليم التقني والبرمجة والخدمات الرقمية، هذه التخصصات هي من الأعلى طلباً في الجامعات الفلسطينية، ولكنها أيضاً من الأعلى بطالةً، حيث تفيد إحصائيات 2024 بأن نسبة البطالة بين خريجي تكنولوجيا المعلومات تصل إلى 48.8%، لكن إن أخذنا بعين الاعتبار أنها قطاعات لا تعتمد بشكل مباشر على حرية الحركة المادية، وتخلق قيمة مضافة عالية من خلال اقتصاد الخدمات العابرة للحدود، فهي بالتالي سوق واعد يمكن استغلاله عبر بناء منصات محلية للتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية وربطها بالأسواق الإقليمية والدولية، مع إدراك أن البنية التحتية الرقمية نفسها تبقى عرضة للقيود الإسرائيلية.

أما في المجال الزراعي - الطاقوي، وبعد أن تراجعت القيمة المضافة الزراعية بنسبة 93% في الربع الأخير من 2023،  وإدراك ما تسيطر عليه إسرائيل من مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومصادر المياه، وما يواجهه المزارعون من خطر اعتداءات المستوطنين ومصادرة الأراضي. لذلك، لا يمكن الحديث عن الزراعة الذكية أو الطاقة الشمسية بمعزل عن هذه القيود. والمطلوب هنا هو تبني استراتيجيات تكيفية مجتمعية: مشاريع زراعية صغيرة موزعة تقلل من المخاطر، تعاونيات محلية تدير الإنتاج بشكل جماعي، ومبادرات للطاقة الشمسية على مستوى المنازل والمجتمعات الصغيرة لتقليل الاعتماد على الشبكات الإسرائيلية. هذه الحلول لا تلغي السيطرة القائمة، لكنها تخلق مساحات استقلالية جزئية يمكن البناء عليها تدريجيًا.

بهذا المعنى، تصبح الاتفاقيات الجديدة أدوات ظرفية لتعزيز الناتج المحلي الإجمالي لا غاية في ذاتها. فهي حلول مؤقتة، لكنها إذا ما أُديرت بوعي مجتمعي واستُثمرت ضمن رؤية اقتصادية مقاومة، يمكن أن تتحول من أدوات رد فعل إلى لبنات تأسيسية في مشروع اقتصادي مستقل يُبنى من القاعدة الشعبية إلى الأعلى، ويستند إلى مبادئ الصمود وعدم التفريط بالهوية الاقتصادية الفلسطينية.