
لم تبدأ الأزمة الاقتصادية الفلسطينية مع اندلاع الحرب، لكنها في هذه اللحظة ظهرت بلا أقنعة. فالحرب، على قسوتها، لا تخلق النماذج الاقتصادية بقدر ما تكشف ما كان قائمًا ومؤجلًا. وفي الحالة الفلسطينية، أعادت الحرب تسليط الضوء على نموذج اعتدنا التعايش معه طويلًا: اقتصاد يُدار بوصفه حالة طوارئ دائمة، لا مسارًا قابلًا للتخطيط والتحول.
في هذا السياق، لا يصبح السؤال لماذا تفاقمت الأزمة، بل كيف استمرّت إلى الحد الذي أصبحت فيه جزءًا من الروتين المؤسسي. فإدارة الأزمة لم تعد أداة مؤقتة لتجاوز الصدمة، بل تحوّلت تدريجيًا إلى وظيفة قائمة بذاتها، تُدار بها المالية العامة، والسياسات الاقتصادية، وحتى توقّعات المجتمع.
اقتصاد مُعلّق على الحافة
على مدار سنوات، جرى التعامل مع الاقتصاد الفلسطيني باعتباره اقتصادًا مؤقتًا في وضع استثنائي مفتوح. عجز الموازنة كان يُدار بالترحيل، وخدمة الدين تُغطّى بالاستدانة، والسيولة تُدار على أساس شهري لا ضمن أفق متوسط. اليوم، ومع دين عام يناهز 15 مليار دولار، أي ما يفوق 100% من الناتج المحلي الإجمالي، لم يعد هذا النمط قابلًا للاستمرار دون كلفة بنيوية عالية.
تُضاف إلى ذلك فاتورة رواتب شهرية تقترب من 900 مليون إلى مليار شيكل لنحو 150 ألف موظف ومتقاعد وأشباه رواتب، إلى جانب خدمة دين تستنزف شهريًا ما بين 250 و300 مليون شيكل. هذه الأرقام لا تعكس فقط ضغطًا ماليًا، بل تفسّر كيف أصبحت السياسة الاقتصادية محكومة بإدارة الالتزامات القائمة، لا بصناعة خيارات جديدة.
الحرب لم تغيّر هذه المعادلة، لكنها جعلتها أكثر حدّة. فالحديث لم يعد عن تحفيز أو استثمار، بل عن القدرة على الاستمرار. وحين يصبح البقاء هو الهدف الوحيد، يتراجع التفكير في الحل، ويتقدّم منطق الاحتواء.
فائض النقد: مال موجود بلا وظيفة
أحد أخطر تجليات هذا النموذج هو تراكم النقد دون قدرة على تشغيله. ففي الوقت الذي تعاني فيه المالية العامة من اختناق سيولة، تشير التقديرات إلى أن النقد المتداول في الاقتصاد الفلسطيني يعادل نحو 20–25% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد يرتفع في فترات الحرب والانكماش إلى قرابة 30%، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالاقتصادات الطبيعية.
الأخطر من ذلك أن جزءًا معتبرًا من هذه السيولة لا يعمل فعليًا داخل الاقتصاد. إذ تشير تقديرات غير رسمية، مستندة إلى سلوك الجهاز المصرفي، إلى أن ما بين 3 و5 مليارات شيكل من النقد المتداول تُعد سيولة معطّلة وظيفيًا؛ لا تجد طريقها إلى الإقراض أو الاستثمار أو التحويل، بسبب قيود التعامل بالشيكل، وتراجع الائتمان، وارتفاع المخاطر في زمن الحرب.
هذا التراكم لا يعني وفرة مالية، بل خللًا بنيويًا. فالمال موجود، لكن بلا وظيفة اقتصادية. وهنا تتحول السيولة من أداة تحفيز إلى عامل شلل، ويصبح الاحتفاظ بالكاش بديلاً عن الاستثمار، في اقتصاد تُدار مفاصله بعقلية الطوارئ لا بعقلية القرار.
عقلية الطوارئ وتآكل التخطيط
في التجارب الاقتصادية الطبيعية، تُستخدم الطوارئ لمواجهة صدمة محددة، ثم يُستعاد التخطيط. أما حين تتحول الطوارئ إلى حالة دائمة، فإن التخطيط نفسه يتآكل. وهذا ما تعكسه الحالة الفلسطينية اليوم، حيث تُتخذ القرارات تحت ضغط اللحظة، وتُدار المالية العامة بمنطق الأسابيع لا السنوات.
هذا النمط لم يولد مع الحرب، بل هو نتاج سنوات من التكيّف مع الأزمات بدل الخروج منها. وهكذا تشكّل اقتصاد يجيد إدارة الانكماش أكثر مما يجيد خلق النمو، ويتقن توزيع الخسائر أكثر مما يتقن بناء القيمة.
كلفة اللاقرار في زمن الحرب
أخطر ما في هذا النموذج ليس العجز المالي وحده، بل كلفة اللاقرار. فغياب القرار الاستراتيجي لا يعني فقط تأجيل الحلول، بل تراكم خسائر غير مرئية: استثمارات لم تُنفذ، مشاريع صغيرة لم تُطلق، فرص عمل لم تُخلق، وثقة تآكلت لدى المستثمر والمواطن.
تشير التقديرات إلى أن تراجع الاستثمار الخاص خلال فترات عدم اليقين قد يصل إلى 20–30%، وهو ما يعني فقدان آلاف فرص العمل سنويًا في اقتصاد محدود أصلًا. في زمن الحرب، تتضاعف هذه الكلفة، إذ يتحول التأجيل إلى سلوك عام، ويصبح الاقتصاد في حالة تجمّد نفسي قبل أن يكون تجمّدًا ماليًا.
الحرب كمرآة لا كذريعة
من الخطأ اختزال الأزمة الاقتصادية بالحرب وحدها، كما أنه من الخطأ تجاهل أثرها. الحرب هنا ليست ذريعة، بل مرآة كشفت محدودية الأدوات، وضعف القدرة على التخطيط، والاعتماد الطويل على إدارة الأزمات بدل معالجة جذورها. القلق الحقيقي يبدأ مما بعد الحرب، فإذا انتهت المواجهة وبقي نموذج الإدارة كما هو، سننتقل من أزمة إلى أخرى دون كسر الحلقة.
الخلاصة
الحرب لم تُنهِ الحلول، لكنها كشفت أن كثيرًا منها كان مؤجلًا أصلًا. والاقتصاد الفلسطيني لا يعاني فقط من نقص الموارد، بل من نموذج إدارة اعتاد العيش داخل الأزمة، حتى بات المال يتراكم دون وظيفة، والتخطيط يتراجع أمام منطق الاحتواء.
السؤال الحقيقي اليوم ليس كيف ندير الحرب اقتصاديًا، بل هل نملك، بعد انتهائها، الشجاعة للانتقال من إدارة الطوارئ إلى إعادة بناء المسار. لأن الاقتصاد الذي يتقن إدارة الأزمات قد ينجو، لكنه لا ينهض، والدولة التي تحوّل الأزمات إلى وظائف، تُطيل عمر الأزمة أكثر مما تُقصره.