
صحفي وكاتب مختص في الشؤون الدولية، وباحث في قضايا العدالة والنزاعات المسلحة
ليست الحرب على إيران – وفق القراءة الاستراتيجية الباردة – مشروعًا لإسقاط دولة، بل عملية إعادة ضبط إقليمي واسعة النطاق. الفارق هنا جوهري: إسقاط نظام يعني تفكيك بنية دولة والدخول في فوضى مفتوحة، كما حدث في العراق عام 2003؛ أما “إعادة الضبط” فتعني تقليص النفوذ، وإعادة تعريف الوظيفة، وفرض قواعد اشتباك جديدة دون الانزلاق إلى انهيار شامل.
التحالف الأمريكي–الإسرائيلي لا يتحرك بعقلية الحرب الشاملة، بل بمنطق هندسي طويل الأمد. الهدف ليس إزالة إيران من المعادلة، بل إعادة صياغة موقعها داخلها. تقليم الأذرع، تقليص المجال الحيوي، وإعادة توزيع موازين الردع؛ هذه هي المفردات الحقيقية للمشهد، لا خطاب إسقاط الأنظمة.
مركزية إسرائيل في النظام الأمني الجديد في قلب هذه المقاربة تتكرس إسرائيل بوصفها مركز الثقل الأمني في الإقليم. لم تعد مجرد طرف في صراع، بل أصبحت جزءًا من بنية دفاع إقليمية ناشئة: تعاون استخباري، منظومات إنذار مبكر، وربما شبكات دفاع جوي مشتركة.
وقد شكّلت اتفاقيات أبراهام نقطة تحول مفصلية؛ إذ انتقل المسار من التطبيع السياسي إلى الشراكة الأمنية الوظيفية، بما يعيد تعريف إسرائيل كفاعل مركزي في هندسة التوازنات.
إعادة توزيع الأدوار لا تغيير الخرائط المسألة ليست رسم حدود جديدة، بل رسم أدوار جديدة. احتواء إيران دون إسقاطها، ضبط الفاعلين المسلحين من غير الدول، وإعادة تعريف أدوار القوى الإقليمية ضمن شبكة تحالفات مرنة بدل محاور صلبة. إنها إدارة نفوذ لا حرب وجود.
في السياق الدولي، تأتي هذه المقاربة منسجمة مع تحولات أوسع: انشغال واشنطن بمنافسة الصين، رغبتها في تقليل الانخراط العسكري المباشر، وسعيها إلى الحفاظ على توازنات الطاقة والأمن بأقل كلفة ممكنة. “إعادة الضبط” أقل تكلفة من “إعادة البناء”، وأكثر انسجامًا مع سياسة إدارة المخاطر بدل تفجيرها.
المخاطرة الكبرى غير أن كل هندسة خارجية تحمل احتمال الانفلات. الشرق الأوسط ليس لوحة شطرنج صامتة، بل فضاء تفاعلي معقد. أي ضغط زائد قد يولد ردود فعل غير متوقعة، وأي محاولة لإعادة تعريف النفوذ قد تفتح فراغات جديدة. التجربة التاريخية تقول إن إعادة تشكيل الإقليم لا تسير غالبًا وفق المخطط المرسوم.
خاتمة إذا اندلعت المواجهة، فلن تكون حرب إسقاط، بل حرب تعريف أدوار. ليست معركة على وجود إيران كدولة، بل على حدود حركتها الإقليمية. التحالف الأمريكي–الإسرائيلي يسعى إلى شرق أوسط تُدار توازناته عبر شبكات أمنية مترابطة، لا عبر حروب مفتوحة.
يبقى السؤال:
هل يمكن ضبط إقليم يتغذى على التحولات المستمرة دون أن ينفلت من جديد؟