لم يكن موقف الهند في عهد غاندي ونهرو وأنديرا غاندي من فلسطين مجرد تعبير دبلوماسي عابر، بل كان امتدادًا لرؤية تاريخية تشكّلت في سياق التحرر من الاستعمار الذي قاده المهاتما غاندي، وفي إطار قيادة نهرو حركة عدم الانحياز التي رأت في دعم قضايا الشعوب المستعمَرة جزءًا من هويتها الأخلاقية والسياسية. يومها، لم تكن فلسطين بندًا في جدول المصالح، بل مرآة تعكس هوية الهند كدولة ما بعد استعمارية تنحاز للعدالة بوصفها شرطًا للشرعية الدولية.

أما في عهد ناريندرا مودي، فقد أعادت الهند صياغة أولوياتها. صعود القومية الهندوسية، وتنامي الطموح إلى دور قوة كبرى في النظام الدولي، وتكثيف الشراكات الأمنية والتكنولوجية والعسكرية مع إسرائيل، حيث بلغت قيمة الواردات العسكرية من اسرائيل عشرين مليار دولار ونصف بين عامي 2020-2024, كلها عناصر أعادت تعريف العلاقة مع فلسطين من موقع التضامن المبدئي إلى موقع الحسابات الاستراتيجية.

هنا يبدو السؤال ملحًّا: هل تغيّرت الهند؟ أم تغيّرت فلسطين؟ أم أن عالم اليوم لم يعد عالم الأمس ؟

أولاً: تحوّل في بنية الدولة الهندية

الهند لم تعد تلك الدولة التي ترى في دعم حركات التحرر تأكيدًا لشرعيتها الأخلاقية. في ظل التحولات الداخلية وصعود خطاب قومي ذي طابع ديني واضح، باتت أولويات السياسة الخارجية أكثر براغماتية، وأكثر ارتباطًا بالأمن والتكنولوجيا والتحالفات التي تعزّز موقعها في مواجهة الصين وباكستان، وتمنحها نفوذًا في أسواق السلاح والابتكار.

في هذا السياق، تُقرأ العلاقة مع إسرائيل بوصفها شراكة استراتيجية، لا بوصفها موقفًا من قضية شعب تحت الاحتلال. وهنا يتراجع البعد القيَّمي أمام منطق القوة، خاصة في عهد الشعبوية القومية التي يقودها مودي اليوم.

ثانيًا: تآكل المكانة الرمزية لفلسطين

لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن فلسطين أيضًا، وخاصة بعد وهم أوسلو، لم تعد في الوعي العالمي كما كانت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. آنذاك، كانت الحركة الوطنية الفلسطينية، رغم كل تعقيداتها، تمتلك سردية واضحة نسبيًا: شعب يناضل من أجل التحرر الوطني وتقرير المصير. كان هناك عنوان سياسي جامع، وصورة أخلاقية يصعب الالتفاف عليها.

اليوم، يعاني الجسد الفلسطيني من انقسام سياسي عميق، وتراجع في فعالية مؤسساته التمثيلية، وارتباك في تعريف المشروع الوطني. لم تتراجع عدالة القضية، لكن القدرة على حمايتها من التشويه والاختزال ضعفت. والسردية التي كانت يومًا نقية وواضحة باتت عرضة للتشويش، إما بسبب الانقسام، أو بسبب عجز النظام السياسي عن تجديد نفسه، أو بسبب اختلاط الخطاب الأخلاقي بالاستقطاب الإقليمي. ويبدو أن ذلك بات يهدد جديًا فرصة استثمار التحول الكوني حول زيف الرواية الصهيونية بفعل الابادة الجماعية، رغم أن هذه الفرصة ما زالت قابلة لبناء استراتيجية تستند لرؤية وخطاب واقعيين، وقادرين على استثمار ما حدث جراء هذا التحول. فحين تضعف الذات، يصبح من السهل على الدول أن تعيد تموضعها دون أن تدفع ثمنًا أخلاقيًا يُذكر.

ثالثًا: عالم ما بعد الأخلاق والعدالة

ثم إن العالم نفسه تغيّر. بعد نهاية الحرب الباردة، تراجعت مركزية حركات التحرر في الضمير الدولي. صعدت الشعبويات القومية، وتقدّمت اعتبارات الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد على مفاهيم العدالة والتحرر. باتت السياسة تُدار بمنطق إدارة المخاطر لا بمنطق صناعة القيم. في هذا المناخ، لا يبدو التحالف بين حكومة هندية قومية متشددة وحكومة إسرائيلية يمينية متطرفة حدثًا شاذًا، بل جزءًا من شبكة أوسع من التحالفات بين قوى ترى في الحسم الأمني نموذجًا لإدارة الصراعات، لا في الحلول العادلة.

ما الذي تغيّر إذن؟

تغيّرت الهند، نعم. وتغيّر العالم، بلا شك.

لكن التحدي الفلسطيني الأعمق يكمن في سؤال الذات؛ هل نملك اليوم مشروعًا وطنيًا جامعًا يعيد تثبيت فلسطين في موقعها كقضية عدالة كونية، لا كملف أمني إقليمي؟

ليست المشكلة في أن دولة ما اختارت تحالفًا مختلفًا، بل في أن كلفة هذا الاختيار أخلاقيًا أصبحت منخفضة. وهذه الكلفة لا ترتفع إلا حين تكون السردية الفلسطينية واضحة، وجامعة، ومتماسكة، ومسنودة بمؤسسات تمثيلية حيّة وقادرة على الفعل.

لقد وقفت أنديرا غاندي مع فلسطين لأن فلسطين كانت جزءًا من ضمير تحرري عالمي.

واليوم، حين يقيم ناريندرا مودي تحالفًا يتجاوز الإقليم مع حكومة متهمة بارتكاب جرائم إبادة بحق الشعب الفلسطيني، وفي وجه ما يسميه الحلف السني" تركيا والسعودية، والذي ما زال حالة نظرية وليس فقط ايران وما يسمى بالمحور الشيعي ؛ فإن السؤال لا يجب أن يقتصر على نقد الخارج، بما في ذلك الحالة العربية والإسلامية التي تهمش نفسها يوميًا، بل أن يمتد إلى مراجعة الداخل. فالقضية العادلة لا تسقط، لكنها قد تُهمَّش إن عجز أهلها عن صون مكانتها، وتنظيم طاقتها، وتجديد مشروعها.

والسؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا ليس: لماذا تغيّرت الهند؟ بل: هل نملك نحن القدرة على أن نجعل أي انحراف عن العدالة مكلفًا سياسيًا وأخلاقيًا في ميزان العالم؟