صدى نيوز - انتهى دونالد ترمب من التفاوض، وعلى مدى أسابيع، حشد أسطولاً من حاملات الطائرات والمدمرات في مياه الشرق الأوسط، مدعوماً بأسراب من طائرات "إف 35" و"إف 22" أُرسلت إلى قواعد في أنحاء المنطقة. وكان ذلك أكبر حشد عسكري أميركي منذ حرب العراق في 2003 التي أطاحت بنظام صدام حسين.

كان هدف ترمب الضغط على حكام إيران للقيام بما رفضوا القيام به لعقود، أي التخلي عن برامجهم النووية والصاروخية بعيدة المدى ووقف دعمهم لوكلائهم المسلحين. وقال إنه يفضل حلاً دبلوماسياً مع طهران، لكن الحشد العسكري استمر.

ومع ذلك، حتى في الوقت الذي كان فيه مبعوثاه إلى محادثات إيران، صهره جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، يستعدان للسفر إلى جنيف للقاء نظرائهما الإيرانيين لإجراء مزيد من المناقشات، كان ميزان الحسابات يتحول نحو الصراع.

يستند هذا التقرير إلى مقابلات وإحاطات مع عدة مسؤولين أميركيين وأشخاص مطلعين على كيفية تطور أحداث الأسبوع الماضي، وجميعهم طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم عند مناقشة أحداث لم تكن علنية.

في خطاب حالة الاتحاد يوم الثلاثاء، حذر ترمب من أن المسؤولين الإيرانيين "يسعون مجدداً إلى تحقيق طموحاتهم الشريرة" لإعادة بناء برنامجهم النووي، بعد الهجمات المدمرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل العام الماضي.

وقال الرئيس: "إنهم يريدون إبرام صفقة، لكننا لم نسمع التعهد السري بأنهم لن يقوموا بامتلاك سلاح نووي أبداً".

في ذلك المساء، التقى وزير الخارجية ماركو روبيو قادة كباراً في الكونغرس لإطلاعهم على المحادثات.

جدل استخباراتي وتباين في التقديرات

كان الوقت ينفد، لكن خلف الكواليس كان لا يزال هناك جدل جارٍ. فقد أشارت تقييمات وكالة استخبارات الدفاع الأميركية إلى أن تقدم إيران النووي لا يزال مقيداً، في حين رسمت الاستخبارات الإسرائيلية صورة أكثر إلحاحاً بكثير. وحذر بعض المسؤولين الأميركيين بهدوء كبار مبعوثي ترمب من الاعتماد المفرط على الاستنتاجات الإسرائيلية.

بحلول عصر الخميس، لم تسفر محادثات كوشنر وويتكوف في جنيف عن اختراق. ومع ذلك، كان هناك قدر كافٍ من الغموض دفعهما إلى الاتفاق على العودة في وقت لاحق من ذلك اليوم، بعد التنقل عبر المدينة لإجراء مناقشات غير ذات صلة مع مسؤولين أوكرانيين وروس.

وقال مسؤولون إيرانيون إنهم يعتقدون أن الجولة الثانية من المحادثات في ذلك اليوم أظهرت تقدماً. لكن بحلول نهاية المساء، شعر كوشنر وويتكوف بأن كل السبل قد استُنفدت.

وفي نظرهما، فإن رؤية المرشد علي خامنئي للعالم لا تترك مجالاً كبيراً للتعايش مع رؤية ترمب للشرق الأوسط. بعد 16 ساعة في جنيف، التزم الأميركيون بمهلتهم التي فرضوها على أنفسهم، وعادوا جواً إلى واشنطن.

وبينما كانت هناك خطط معلنة لإجراء مزيد من المحادثات الأسبوع المقبل، كان وزير خارجية عُمان بدر البوسعيدي، الذي كان يلعب دور الوسيط في محادثات جنيف، قلقاً، ومقتنعاً بأن الصراع وشيك.

وفي صباح الجمعة، سافر مباشرة من جنيف إلى واشنطن، وتوجه فوراً إلى اجتماع مع نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي طالما أبدى تشككاً في التدخلات الخارجية، وربما لا يزال يتمتع بقدرة على التأثير على الرئيس بشأن إيران.

ترمب "غير سعيد" بحالة المفاوضات

أثار هذا التحرك غضب بعض مستشاري ترمب المتشددين، ووصف بعضهم هذا التواصل بأنه يقترب من عدم الولاء، ورأوا أنها تشبه محاولة لشق الصفوف داخل الدائرة المقربة من الرئيس، في لحظة حاسمة.

وفي ذلك اليوم نفسه في البيت الأبيض، كان ترمب يستعد للسفر إلى تكساس للانخراط في بعض الأنشطة السياسية الداخلية، قبل أيام من إجراء الولاية انتخابات تمهيدية حاسمة. لكن مزاجه بشأن إيران كان يزداد سوءاً.

وأبلغه المسؤولون الذين قدموا له الإحاطات أنه رغم أن صفقة قصيرة الأجل مع إيران تبدو في متناول اليد، فإنها لن تعالج قضايا جوهرية مثل برنامج طهران الصاروخي. وفي تجمع انتخابي في تكساس في ذلك اليوم، قال ترمب إنه "غير سعيد" بحالة المفاوضات.

وبعد ذلك، سادت أجواء من المرح. ففي أحد فروع مطعم "واتابورغر" في كوربوس كريستي المزين بالأعلام الأميركية والمكتظ بالمؤيدين، أعلن ترمب: "برغر للجميع!". وأمسك بكيس للطلبات الخارجية يحمل الرقم 47، في إشارة إلى موقعه في سجل الرؤساء.

لكن، في استرجاع لاحق، أخفت تلك الروح المرحة واقعاً قاتماً، يتمثل في أنه لن يكون هناك مزيد من المحادثات.

غادر ترمب تكساس وتوجه إلى فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في منتجعه مارالاغو. واجتمع فانس مع أعضاء الحكومة في واشنطن. وفي تلك الليلة، أبلغ روبيو كبار المشرعين الأميركيين بأن العمل العسكري ضد إيران بات مرجحاً.

في مقطع فيديو سُجل من دون حضور الصحفيين ونُشر في منتصف الليل بتوقيت الولايات المتحدة، أعلن ترمب الهجوم، ودعا الشعب الإيراني إلى الإطاحة بنظامه الحاكم، الذي اتهمه بإذكاء "إرهاب واسع النطاق".

وقال في الفيديو: "لم يكن أي رئيس مستعداً للقيام بما أنا مستعد للقيام به الليلة". لقد بدأت الحرب.

الضربات الأولى وردّ طهران

دوّت الانفجارات في أنحاء إيران. ورداً على مئات الضربات المشتركة الأميركية والإسرائيلية، أطلقت طهران دفعات من الصواريخ على إسرائيل وأهداف أميركية في أنحاء المنطقة.

واشتبكت أنظمة الدفاع الجوي مع مقذوفات واردة فوق الرياض والدوحة وأبوظبي، فيما أفاد السكان بسماع انفجارات وسقوط حطام. وفي البحرين، مقر الأسطول الخامس الأميركي، تعرضت قاعدة مرتبطة بالولايات المتحدة لإطلاق النار. وفي أبوظبي، سقط شخص واحد على الأقل، جراء شظايا صاروخ تم اعتراضه.

وكما حدث في الغزو الأميركي للعراق في 2003، أثبتت المراحل الأولى أنها حاسمة، إذ أعلن ترمب والرئيس الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقتل خامنئي، ثاني مرشد يحكم إيران منذ تأسيس النظام في 1979. وأكدت إيران لاحقاً وفاته. كما أُفيد بمقتل قادة كبار آخرين، بينهم وزير الدفاع ورئيس "الحرس الثوري".

مع ذلك، كما تعلمت الولايات المتحدة بمرارة في تدخلاتها في العراق وأفغانستان، فإن الساعات الأولى نادراً ما تحدد مسار الصراع.

يعتمد ترمب، في الوقت الراهن على الأقل، على القوة الجوية، محاولاً حشد مواطني دولة لا تمتلك معارضة منظمة، للنهوض بالعمل الميداني الذي يتجنبه.

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، تعهد ترمب بمواصلة "القصف الكثيف والدقيق" بلا انقطاع "طوال الأسبوع أو، طالما كان ذلك ضرورياً". لكنه دعا الإيرانيين أيضاً إلى اغتنام الفرصة التي قال إنه يمنحهم إياها.

ثاني حملة عسكرية كبرى لترمب

بالنسبة لترمب، تمثل هذه ثاني خطوة عسكرية كبرى ضد خصم منذ بداية العام. وبدافع من نجاحه السريع في الإطاحة بزعيم فنزويلا واعتقاله، مزق ترمب مرة أخرى قواعد "ماغا" (اختصار لشعاره: جعل أميركا عظيمة مجددة) وأطلق حرباً باختياره. ويخاطر الرئيس الذي صعد قبل عقد من الزمن مندداً بـ"حروب أميركا التي لا تنتهي" الآن بأكبر مقامرة له، مع عواقب قد تمتد لسنوات.

لكن الرئيس لا يبدو قلقاً. فبينما كان في منتجعه في فلوريدا، ومع التفاف الجمهوريين حوله، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، إن الرئيس سيمضي قدماً في خططه المعلنة مسبقاً لعطلة نهاية الأسبوع.

وقالت: "لا يزال الرئيس ترمب يعتزم التوقف لحضور حفل جمع التبرعات الذي سيُعقد في مارالاغو هذا المساء لصالح الحزب الجمهوري، وهو أمر أكثر أهمية من أي وقت مضى".