صدى نيوز - يعيش العالم في هذا العصر على صفيح ساخن؛ اشتعال حروب بوتيرة متسارعة، وتقويض القانون الدولي، واحتدام المنافسة بين القوى الكبرى على مختلف وسائل النفوذ، واضطراب العلاقات بين الحلفاء في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وتحذير خبراء ومحللين من بوادر حدوث صدام مباشر بين القوى الكبرى. وفي خضم تصاعد التوترات، تبرز للعيان ملامح منافسات إستراتيجية متعددة المواضع والأنواع، يُحتمل أن تُسبّب إحداها اندلاع الحرب الكبرى، التي توقع أينشتاين أن تُعيد البشرية إلى القتال بالعصي والحجارة.

تبدو خريطة الصراع العالمية اليوم أكثر تعقيدا وتشابكا، فهي تجمع بين أنماط تاريخية متكرّرة، وتحوّلات مبتكرة ومفصلية، إلّا أنّ هذا المشهد العالمي المعقد لا يخلو من إشارات تُسهم في فهم ديناميّات المخاطر البارزة في اللحظة الراهنة.

الصراع المستجد بين "القلب" و"الأطراف"

تعكس خريطة "القلب" ضد "الأطراف" صراعا متجذّرا على الهيمنة في أوروبا وآسيا، تمثَّلَ ذلك قديما في سعي الاتحاد السوفييتي إلى التمدّد نحو أطراف القارّة الفائقة. ونشأ في مواجهته التحالف الذي سُمّي "العالم الحر"، الذي ضمّ هوامش أوروبا الغربية وشرق آسيا، مدعوما بقوة بحرية عابرة للبحار هي الولايات المتحدة.

تمركزت أخطر بؤر التوتر آنذاك على خط التماس بين معسكرَي "القلب" و"الأطراف"، كألمانيا وكوريا المقسومتَين، والمحكومتَين حينذاك من المعسكرَين المتنافسَين.

وفي العصر الراهن، تبقى هذه الخريطة تعكس التنافس العالمي على النفوذ، وتثير توترات تقلص المسافة من حرب كبرى، مع تحوّلات لافتة.

يتمثّل تهديد "القلب" اليوم في تحالف يضم دولا تقع في قلب أوروبا وآسيا أو على أطرافها، تشمل روسيا، والصين، وإيران، وكوريا الشمالية، ويجمعها العداء لتحالفات "الأطراف" التي تعترض مسارات مصالحها.

ويتجلى التحالف في تقديم بكين وطهران وبيونغ يانغ دعما لموسكو في حربها على أوكرانيا، المدعومة من "ناتو". وفي مساهمة التكنولوجيا العسكرية الروسية في تعزيز قدرات كوريا الشمالية والصين، فيما تحاول بكين كسر طوق الاحتواء في المحيط الهادئ.

واقتصاديا، تتبلور ملامح اقتصاد جديد لمعسكر "القلب"، إذ تتجه صادرات الطاقة الروسية بكثافة نحو الصين، في حين تعتمد موسكو على التمويل والتكنولوجيا والتجارة القادمة من بكين.

ورغم التعاضد الاقتصادي، يبقى معسكر "الأطراف" يتمتع بثروة وابتكار متقدمَين، يضاف إليه قوة التحالفات الأميركية التي لا تلقى منافسة تُذكر.

ومع تقصير دول "الأطراف" في الاستثمار الدفاعي في العقود الأخيرة، شُرع الباب أمام الصين لتصبح القوة الصناعية الأبرز عالميا.

والآن، يسعى ترامب إلى عكس هذه الاتجاهات، وقلب ميزان المنافع عبر الأطلسي والهادئ؛ بدفع الحلفاء في الخطوط الأمامية إلى تمويل إعادة التصنيع في الولايات المتحدة، وتعزيز قدراتهم الدفاعية.

ورغم أن الهدف هو تعزيز موقع "الأطراف" في خريطة القوة العالمية، فإنّ القيادة المتقلبة لترامب، ونزعته التوسعية، وتهديداته المتكررة لحلفاء مقرّبين تهدّد بتمزيق هذا المعسكر.

ومجددا، تبرز أخطر احتمالات اندلاع حرب عالمية ثالثة في مناطق التماسّ بين المعسكرَين المتنافسَين، مثل أوكرانيا أو تايوان، ما يجعل أخطر انقسامات الحقبة الحالية، ماثلة على خريطة "القلب–الأطراف"، كما كانت في الماضي.

تجدد المساعي للسيطرة على مناطق النفوذ القديمة

ليست مناطق النفوذ وليدة اللحظة؛ إذ سعت القوى الكبرى على الدوام إلى فرض هيمنتها على دول أضعف، سواء بوصفها مناطق عازلة، أو منصات للتوسع، أو مصادر للموارد والاعتبار، غير أنّ مناطق النفوذ اليوم تتخذ أشكالا تجمع بين القديم والجديد.

فـ"عقيدة دونرو" التي يتبناها ترامب تُعدُّ عودة إلى الماضي، إذ تهدف الولايات المتحدة إلى استعادة تفوّقها من القطب الشمالي حتى الأرجنتين، عبر عزل الدول المعادية، والتدخل في سياسات أميركا اللاتينية، ومكافأة الحلفاء، ومعاقبة الخصوم.

ويسعى ترامب إلى توسيع نفوذ بلاده في الاقتصاد العالمي، عبر إنشاء إمبراطورية نفطية تمتدّ من ألاسكا إلى فنزويلا.

تضع هذه المغامرة ترامب في سياق تاريخي مألوف، ففي أزمنة الاضطراب العالمي، عمد رؤساء أميركيون سابقون إلى تحصين النصف الغربي من الكرة الأرضية.

كما أنّ روسيا قد أمضت عقدَين في محاولة استعادة هيمنتها على أجزاء من أوروبا الشرقية، وفضاء الاتحاد السوفياتي السابق.

ويتزامن هذا مع طرح تساؤلات في الهند؛ عن سبب عدم بسط نيودلهي نفوذها على جنوب آسيا والمحيط الهندي.

ويوازي ما ذُكر آنفا، تصوّر تركيا مجالا "عثمانيا جديدا" للنفوذ يمتد عبر ثلاث قارات؛ ما يميل بهذه الحقبة لأن تكون عصر المنافسة المتعددة على النفوذ، منهية حقبة الهدوء التي تلت الحرب الباردة.

ومن طرف الصين، فإنها تبدو مستعدة تماما لهذه المرحلة، فالجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي، والضغط العسكري على تايوان، ومحاولات ترهيب اليابان والفيليبين، تعكس سعيا إلى إقامة مجال نفوذ تقليدي محدّد جغرافيا على أطراف شرق آسيا.

كما تمثّل الاشتباكات الحدودية مع الهند في الهيمالايا، والتحركات شبه السرّية ضد بوتان، والتغلغل في آسيا الوسطى، الامتدادَ البرّي لحملة بحرية موازية.

ولا تقف خريطة شي جين بينغ عند الحدود الجغرافية للنفوذ، إذ إنها تتضمّن أيضا مجال نفوذ ضخما في الفضاء الرقمي.

إذ يمتد "طريق الحرير الرقمي" الصيني عبر مساحات واسعة من دول الجنوب العالمي، مستندا إلى شبكات اتصالات بنتها شركات صينية، ونماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة، ومنصات مدفوعات رقمية، وتقنيات مراقبة.

وتشكّل المعدات الرقمية الصينية، البنية التحتية لأكثر من 200 مدينة ذكية في 40 دولة.

ويفتح الاعتماد التكنولوجي على الصين البابَ أمام النفوذ الاقتصادي والسياسي، وهو ما يفسّر استهداف الولايات المتحدة لشركة "هواوي"، عملاق الاتصالات الصيني، محاولةً كبح جماح الصين.

وفي حزيران/ يونيو 2025، أعلنت بنما أنها ستزيل معدات "هواوي" من شبكاتها وتستبدلها، في خطوة تندرج ضمن مساعي ترامب لتقليص النفوذ الصيني في نطاق "دونرو".

غير أنّ هذه المهمة تبدو شاقة في ظل الاختراق الاقتصادي والتكنولوجي الواسع لبكين في المنطقة، لكنها تذكّر بحقيقة راسخة: حيثما تتماسّ مناطق النفوذ المتنافسة، ينشأ الاحتكاك بين القوى العظمى، وتزداد مخاطر الصدام الذي ليس منه عودة.

صراع النفوذ على الممرات البحرية الإستراتيجية

يمثّل التركيز على الممرّات المائية الإستراتيجية موضع تنافس عالمي مستجد هو الآخر، فبعد عقود من الهيمنة الأميركية، بدأ التعزيز البحري الصيني يتحدّى التفوّق الأميركي في المحيطات، فيما يهدّد اندفاع بكين في بحر الصين الجنوبي بتحويل هذا الممر إلى فضاء مغلق وخاضع لسيطرة حصرية.

كما تُظهر خريطة التنافس على مناطق النفوذ اليوم، تصاعدا في الصراعات عند الممرّات البحرية الحيوية في العموم، وغالبا في المناطق التي تحيط بها نطاقات أوسع من التوتر والاشتباك.

والمثال الأبرز على ذلك هو مضيق باب المندب، الذي يشكّل نقطة التقاء بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويربط البحر المتوسط بالمحيط الهندي، واصلا أوروبا بآسيا.

كان البحر الأحمر ممرّا لنحو 30% من حركة الحاويات العالمية، وبعد حرب السابع من أكتوبر، وتقييد الحوثيين لحركة الملاحة فيه، أُعيد توجيه حركة النقل العالمية، عبر تقليص حركة الملاحة في قناة السويس، ما كشف مدى اندماج البحر الأحمر ضمن نطاق صراع يمتد من إفريقيا إلى الخليج العربي.

وينكشف الصراع الإستراتيجي على حيازة نفوذ في هذه المنطقة، بتنافس قوى إقليمية وازنة، تشمل السعودية وإيران والإمارات، على النفوذ في اليمن، وقد امتدّ هذا التنافس إلى السودان والقرن الإفريقي، حيث تحوّلت نزاعات داخلية دامية إلى حروب بالوكالة متعددة الأطراف.

وباتت جيبوتي، الواقعة عند مفترق البحر الأحمر وخليج عدن، قوة استضافة عسكرية تفوق حجمها الجغرافي، إذ تحتضن قواعد للولايات المتحدة والصين، إلى جانب منشآت تستخدمها عدة دول أخرى.

وتسعى روسيا إلى تثبيت وجود بحري على ساحل السودان المطل على البحر الأحمر، فيما منحت إسرائيل اعترافا دبلوماسيا بـ"أرض الصومال"؛ لِما توفّره من مواقع إستراتيجية.

وكذلك تعزّز الهند وتركيا ومصر، وغيرها من الدول، حضورها على طول هذا الممر المتنازع عليه، وهكذا تتحوّل تقاطعات الملاحة البحرية إلى بؤر صراع مع احتدام المنافسة.

ولا يخلو الشمال من هذه التوترات، فالمنطقة القطبية الشمالية تمثّل أقصر طريق بين أميركا الشمالية و"أوراسيا"، (وهو مصطلح جغرافي يُطلق على الكتلة الأرضية الواحدة التي تجمع قارتَي أوروبا وآسيا)، وقد يفتح ذوبان الجليد مسارات بحرية جديدة تختصر أياما، وربما أسابيع، من زمن الشحن بين أوروبا الغربية وشرق آسيا.

ويشكّل ممر غرينلاند – آيسلندا – بريطانيا بوابة إلى شمال الأطلسي، ما يجعل من هذه المنطقة المتجمّدة جبهة تنافس متزايدة الأهمية.

إذ تعزّز روسيا مطالبها السيادية، وتوسّع قدراتها العسكرية حول "الممرّ البحري الشمالي"، أَمَلًا في تحوّله يوما ما إلى طريق سريع أوراسي، وفي الوقت ذاته، تتقدّم الصين اقتصاديا وعسكريا داخل المنطقة القطبية.

وفي المعسكر المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تحصين مداخلها الشمالية، بما في ذلك شبكات الإنذار المبكر في غرينلاند وكندا. ما يؤكّد أنّ الخريطة المتمحورة حول القطبين ستغدو أكثر حضورًا في التفكير الإستراتيجي، وأنّ الصراع يتكثّف بصورة متزايدة بشأن الممرّات التي تتحكّم بمصير العالم البحري.

قراءة في فوضى المشهد

إن الخريطة الإستراتيجية لعصرنا الحالي لا تقل فوضى عن العالم الذي تجسده، فهي تكشف كيف تظل العداوات القديمة، كالصراع بين "القلب" و"الأطراف"، قائمة رغم تطور التحالفات المعاصرة.

كما تُظهر كيف أن مناطق النفوذ الحديثة تتبع أحيانا إملاءات الجغرافيا وتتمرد عليها أحيانا أخرى، وكيف تصيغ الابتكارات الثورية أنماط الاشتباك ومواطن الضعف.

يسلط فهم المشهد العالمي الضوء على مخاطر حرجة، مثل حقيقة أن أكبر تهديد باندلاع حرب عالمية، يكمن على طول التماس بين "القلب" و"الأطراف"، أو كيف تؤدي النزاعات حول الممرات البحرية الحيوية إلى تغيير تدفقات التجارة، وتأجيج مناطق بأكملها.