صدى نيوز - من قلب الجامع الأموي في دمشق القديمة؛ حيث تتقاطع الأزقة العريقة الضيقة وتتراكم طبقات التاريخ الحضاري، ينساب صوت عذب يتجاوز حدود المكان ليسكن قلوب المستمعين، صوت يعلو فوق ضجيج الباعة، ووقع الأقدام المتسارعة، وهمس الدعوات، ويستقر في بيوت أهل المدينة كأنه فرد من العائلة.

صوت الشيخ محمد علي الشيخ، أقدم مؤذني الجامع الأموي، والمؤذن الأكبر سنا في المدينة، حيث ورث المهنة عن أبيه وصانها على مدى 70 عاما فلُقب بـ"شيخ المؤذنين".

ويعتبر الشيخ أحد آخر الحراس الفعليين لتقليد ديني دمشقي فريد اسمه "أذان الجوقة"، وهو أَذان لا تخطئه أذن دمشقي، لما يحمله من دلالات مرتبطة بوجدان هذا المجتمع العريق.

طفل يرث المحراب

في دمشق تورَّث مهنة المؤذن كما تورَّث البيوت الأثرية القديمة، من أب إلى ابن، ومن جد إلى حفيد، فعائلات كاملة حملت لقب "المؤذن" بوصفه ميراثا محفوظا يصان كما تصان الذاكرة، ويحفظ كما تحفظ الحكايات والأسماء جيلا بعد جيل.

ولد محمد علي الشيخ عام 1932 لوالد أمضى أكثر من ستين عاما مؤذنا في الجامع الأموي، وجدّ مؤذن أيضا. نشأ الطفل وهو يمشي خلف أبيه إلى الجامع، ويردد الأذان كمن يردد لحنا أحبه وحفظ مقاماته.

وبعد أن توفي والده وهو في سن العاشرة، تولى شقيقه الأكبر تدريبه على أداء الأذان حفاظا على هذا الإرث، وبعد 5 سنوات حل المرض في جسد الأخ، فطلب من الفتى أن يؤذن للمرة الأولى منفردا في مسجد الصحابي الجليل صهيب الرومي في حي الميدان الدمشقي، ومنذ تلك اللحظة لم يعد الأذان تقليدا عائليا لطفل مفتون بهذا الصوت، وإنما مسؤولية القيت مبكرا على عاتقه.

ومع حلول عام 1949 بدأ الشاب تردده المنتظم إلى الجامع الأموي حيث يعرفه المؤذنون مذ كان صبيا، وبعد عام واحد صار مؤذنا رسميا في الجامع، يتناوب مع عشرات المؤذنين ضمن نظام يسمى "النوبات"، حيث ترفع الصلاة وفق ثلاث نوبات، تضم كل نوبة من خمسة عشرة إلى عشرين مؤذنا، وكانت مئذنة العروس هي مركز الأذان الجماعي قبل انتشار مكبرات الصوت حينها، وكان الشيخ يعمل في مطبعة قريبة من الجامع، وكلما حان موعد الأذان ترك الحبر والورق والتحق بمئذنته.

وفي عام 1973 تم اعتماده رسميا كمؤذن ضمن نوبة "السلطان" المنسوبة إلى الشيخ الدمشقي سليم سلطان، وصار يصعد مع 27 مؤذنا آخرين، لتتوحد أصواتهم في أذان واحد يعبر أسوار دمشق إلى بساتينها والقرى المحيطة فيها.

أذان الجوقة.. سر دمشقي عمره ستمائة عام

ويتميز الجامع الأموي بهذا التقليد الديني المتوارث منذ أواخر القرن 15، والمعروف باسم "أذان الجوقة"، وحتى اليوم يقف عدد من المؤذنين أمام المايكروفون، فيبدأ أحدهم بالتكبير ويردد الآخرون خلفه بتناغم مدروس، في تقليد نادر لا تعرفه أي مدينة أخرى.

لكل يوم أذان

ويرتبط الأذان الدمشقي بالمقامات الموسيقية، إذ يخصص لكل يوم مقام محدد، فالسبت ترفع الصلاة على مقام الصبا، والأحد على البيات، والاثنين على النوى، والثلاثاء على السيكا، والأربعاء على مقام العراق، والخميس على الحجاز، والجمعة على الراست، فيما تتبدل مقامات التكبيرات والتبليغ في كل صلاة بحسب اليوم، وبمقام مختلف عن مقام الأذان، بينما ترفع صلاة الظهر على مقام الحجاز دائما كاستثناء.

ولم يكن هذا التنويع في فترة من فترات التاريخ ترفا موسيقيا، وإنما شكّل نظاما زمنيا غير مكتوب قبل شيوع التقاويم الحديثة، فكان أهل دمشق يميزون اليوم من مقام الأذان، ويستدلون على قرب الإفطار في رمضان من سرعة أذان المغرب، وعلى اقتراب الفجر من التوسلات التي تسبق الأذان بنصف ساعة.

حضور طاغ

تغيرت ملامح المدينة والكثير من تفاصيل الحياة اليومية فيها، لكن صوت الشيخ محمد علي الشيخ لا يزال منذ سبعين عاما يمتد من صحن الجامع الأموي إلى أحياء بعيدة لم تعد مطلة على مآذن الجامع لكنها لا تزال تسمع تكبيرات مؤذنيها.

وحتى في الفترات الاستثنائية التي أُغلقت فيها أبواب الجامع الأموي في وجه المصلين، ظل صوت محمد علي الشيخ يصدح منه، محافظا على حضوره اليومي، ومُؤنسا المدينة التي اعتادت على قياس يومها وفق طبقات هذا الصوت ومقاماته.

على مدى عقود، شكّل محمد علي الشيخ بصوته مرجعا في مقامات الأذان، وذاكرة حية ﻷسماء المؤذنين وتقاليدهم، ومنح المؤذنين الجدد علمه وخبراته مساهما في الحفاظ على هذا الإرث الدمشقي الاستثنائي.

وحين خلت أروقة الجامع الأموي من المؤذنين، ظل الشيخ مع مؤذن آخر محافظين على تقليد الأذان الجماعي إلى أن تشكّلت جوقة مؤذنين جديدة.

ويعد الشيخ محمد علي الشيخ نموذجا لتحول الصوت إلى ذاكرة جمعية لمدينة بأكملها، وإلى حضور يومي ثابت يرافق أهلها مع تباشير الفجر، حتى الظهر، وإلى العشاء، ضمن تقليد تتفرد به دمشق عن بقية مدن العالم الإسلامي، وتحافظ من خلاله على خصوصيتها منذ قرون.

المصدر: الجزيرة