
ما بين “هنا القدس” و“هنا غزة” يمتد خيط الصوت الفلسطيني، كأنه نبض وطن لا ينقطع، ومعاناة شعب تحولت إلى معنى ورسالة حيث تصر فلسطين، في كل مرحلة من تاريخها، أن تقدم نموذجا في تحويل المحنة إلى حياة. فكما أعاد الناس في خيام غزة ومراكز النزوح ابتكار تفاصيل يومهم بأدوات بسيطة، مستحضرين مهارات كادت تغيب عن الذاكرة تحت وطأة الحصار وشح الموارد. يثبت الفلسطيني مرة أخرى أن قدرته على التكيف ليست فعل ضرورة فحسب، بل تعبير عن وعيٍ جمعي تشكل عبر عقود من التجارب القاسية، حتى صار الصمود جزءا من هويته اليومية، وأصبحت الحياة نفسها شكلا من أشكال المقاومة والصمود.
تستدعي هذه الصورة ذاكرة البدايات الأولى للصوت الفلسطيني المنظم، حين انطلقت إذاعة فلسطين (هنا القدس) من القدس عام 1936 إبّان الانتداب البريطاني، لتكون أول إذاعة فلسطينية في ظروف استثنائية. لم تكن مجرد محطة تبث أخبارا وبرامج، بل فضاء وطنيا تبلورت فيه ملامح الهوية الثقافية والسياسية تحت رقابة مشددة. التف الناس حولها في البيوت والمقاهي بانتظار نشرة أو قصيدة، لأن الأثير آنذاك لم يكن ناقلا للخبر فقط، بل صانعا للوعي، ومجالا لشعور جمعي بأن الجميع شركاء في المصير.
ومع احتلال القدس عام 1948، انتقلت الإذاعة إلى رام الله حفاظا على استمرارية الصوت الفلسطيني، فيما انطلقت في المنافي إذاعات الثورة مثل صوت العاصفة وصوت فلسطين، ليغدو الأثير عابرا للحدود، يحمل خطابا وطنيا وأغاني تحولت إلى أدوات تعبئة وتواصل بين الداخل والشتات. كان الصوت، في كل تلك المراحل، وسيلة لحماية الذاكرة من التآكل، ولتثبيت الرواية في مواجهة محاولات الطمس، حتى أصبح الأثير جزءا من التاريخ النضالي والثقافي معا.
اليوم، وبعد عقود من ثورة الاتصالات التي ظن كثيرون معها أن زمن الإذاعة قد اندثر، وفي واقع يرزح تحت تحديات الاحتلال والحصار والانقسام وآلة الحرب، يطل أثير جديد باسم (هنا غزة) وما أعظمه من أسم يعيد الأثير لا بوصفه وسيلة تقليدية، بل كفكرة جامعة، وكحاجة إنسانية قبل أن يكون وسيلة إعلام. من نابلس إلى دير البلح، ومن قلب غزة، تتعانق النشرات مع الحوارات والأغاني الوطنية، ليولد فضاء إعلامي يحاول أن يجمع ما فرقته الجغرافيا والسياسة، وأن يعيد تشكيل خريطة الوطن عبر الصوت.
قد تبدو أولويات الناس اليوم محصورة في لقمة العيش وتأمين المأوى، وقد تتعدد الشاشات والمنصات، لكن وجود إذاعة تحمل اسم (هنا غزة) يتجاوز الخبر العاجل إلى ما هو أعمق بكثير: أن يجد المواطن الغزي نفسه في صوته، أن يسمع تفاصيل يومه، أن تروى قصص الصمود الصغيرة التي لا تلتقطها العناوين الكبرى. في مرحلة ما بعد القصف، حين تهدأ أصوات الانفجارات وتعلو أصوات الأسئلة الثقيلة، يصبح للصوت الإذاعي دور المواساة والتثبيت، ودور الشاهد على الألم والأمل معًا.
(هنا غزة) ليست مجرد موجة على جهاز راديو، وليست برنامجا عابرا في جدول بث؛ إنها فكرة تقول إن غزة تستحق أن تسمَع كما تستحق أن ترى. هي رسالة بأن أهل القطاع ليسوا أرقاما في نشرات الأخبار، بل بشرا لهم يومياتهم وأحلامهم وثقافتهم وأغانيهم. هي مساحة لإعادة الاعتبار للإنسان، ولتعزيز الإحساس بالانتماء في زمن يحاول التفتيت أن يتسلل إلى كل شيء.
إن قوة (هنا غزة) تكمن في قدرتها على الوصول إلى البيوت البسيطة، إلى الخيام، إلى الأزقة التي أنهكها الركام، لتقول للناس: أنتم لستم وحدكم. كل موجة تبث هي خيط نور رفيع في عتمة طويلة، وكل كلمة صادقة هي تثبيت لحق الناس في الحكاية. وهنا تحديدا يتجلى المعنى العميق للامتداد بين (هنا القدس) و(هنا غزة): استمرارية الصوت مهما تغيرت الأزمنة، وثبات الرسالة مهما تبدلت الوسائل.
إلى القائمين على (هنا غزة): ما تفعلونه ليس عملا إعلاميا فحسب، بل فعل إيمان بالإنسان وبالوطن. أنتم تواصلون سيرة بدأت قبل عقود، وتضيفون إليها بعدا جديدا يتناسب مع تحديات هذا الزمن. حافظوا على دفء الصوت، على صدقه، وعلى قربه من الناس، لأن قيمة الإذاعة الحقيقية ليست في قوة الإرسال، بل في قوة الأثر.
من (هنا القدس) إلى (هنا غزة) يتأكد أن فلسطين ليست مجرد جغرافيا مثقلة بالجراح، بل هوية حية تتكلم وتغني وتحكي. سيبقى الأثير الفلسطيني سجلا للذاكرة، ومنبرا للثقافة، ومساحة لوحدة الصوت. وما دام هناك من يعلن بثقة: (هنا…)، فالوطن حاضر في صوته، والحكاية مستمرة، والصمود يتجدد مع كل موجة تعبر السماء لتصل إلى قلب إنسان ينتظر أن يسمع صوته.
من كل مدينة وبلدة وقرية فلسطينية، يتردد النداء واحدا: هنا غزة… صوت غزة الحاضر بيننا، وصوت الإنسان الذي يصر أن يسمَع رغم كل شيء. هنا غزة ليست جغرافيا محاصرة، بل معنى يتسع ليشمل الوطن كله؛ فإذا نطقت غزة نطقت فلسطين، وإذا علا صوتها علا معه وجع البلاد وأملها.
هنا غزة… هنا كل فلسطين؛ ذاكرة واحدة، وقلبا واحدا، وأثيرا يحمل الحكاية من بيتٍ إلى بيت، ومن مدينة إلى أخرى، ليؤكد أن الصوت حين يكون صادقا يصبح وطنا كاملا لا تحده الحدود.