سفير دولة فلسطين لدى إيطاليا 

نعيش في عالمٍ يقلقه استهجانٌ موجَّه إلى عددٍ قليل من الرياضيين الإسرائيليين أكثر مما يقلقه قتل أكثر من ألف رياضي فلسطيني. عالمٌ يتوقف لإدانة صدى رفض الجماهير، لكنه يكاد يفتقر إلى أي إرادة حين تُمحى فرقٌ باكملها. وكأن صوت الإستهجان أكثر إزعاجًا من صوت القنابل، وأكثر إساءة من الصمت الذي يعقبها.

عالمٌ يناقش إزالة جنود الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين من كتب الأطفال الفلسطينيين أكثر مما يناقش سبب وجود هؤلاء الجنود والمستوطنين أصلًا في حياتهم. عند الحواجز، وفي اقتحام المنازل والقرى، وفي الاعتقالات الليلية، وفي الاعتداء على المدارس، بل وفي اقتحام الذاكرة نفسها. عالمٌ يُصرّ على أن على الفلسطينيين تعديل روايتهم، لكنه لا يسمح لهم أبدًا بتغيير واقعهم.

عالمٌ يقلق من كلمات مقررة خاصة للأمم المتحدة مُكلَّفة بتوثيق الانتهاكات وتتحدث بلغة حقوق الإنسان والالتزامات القانونية، فيصوّرها كتهديد، بينما بالكاد يتحرك أمام أفعال مجرمٍ مطلوبٍ للمحكمة الجنائية الدولية وعصابته، المتهمين بارتكاب جرائم جسيمة بموجب القانون الدولي، ويعاملهم كشركاء، و"حلفاء ديمقراطيين"، و"مدافعين عن الحضارة". تُحاكم الأخلاق والنزاهة، بينما يُمنح المجرمون اللاأخلاقيون، مرتكبو الإبادة، حصانةً وإفلاتًا من العقاب.

عالمٌ يسعى إلى "السلام" عبر موازين القوة، عبر صفقات واتفاقيات تُوقَّع من فوق رؤوس الواقعين تحت الاحتلال، بدلًا من سلامٍ عادلٍ قائمٍ على الحقوق والإنصاف والمساواة. عالمٌ يطلب من المُهجَّرين القبول بمحوهم، ومن القابعين تحت الاحتلال القبول بإخضاعهم، بدل أن يساعدهم على إنهاء البُنى التي أنتجت هذا التهجير وجعلت الاحتلال والاخضاع ممكنين.

وعالمٌ يسرع إلى التصفيق لكلمات طاغية يتباهى بـ"فتح أبواب الجحيم"، لكنه لا يحشد الغضب الكافي لإدانة الواقع الذي يواصل فيه هذا الطاغية خنق تلك الأبواب، ويمنع المساعدات، ويقرر من يأكل، ومن يُسمح له بمعالجة جراحه، ومن يدفأ، ومن له سقف يحتمي به، ومن يتحرك، وفي نهاية الامر من يعيش أو يموت. وكأن الفلسطينيين لا يستحقون إلا لغة القلق، والإشاراتٍ الرمزية، والتعاطف المشروط، والبيانات المحسوبة بعناية.

عندما يُقتل طفل فلسطيني، يُفتح باب النقاش. وعندما يتم اسر فلسطيني بلا تهمة ولا محاكمة، يُبرَّر اعتقاله. وعندما يُهدم بيت فلسطيني، تخلق الذرائع. وعندما يرتفع صوت الفلسطيني، يشكَّك في إنسانيته. وعندما يُهدَّد الوجود الفلسطيني، يُطلب من الفلسطينيين أن يكونوا صبورين، ومتّزنين، وعقلانيين، وبراغماتيين.

يُقال لنا كفلسطينيين إن الرياضة يجب أن تبقى منفصلة عن السياسة. لكن السياسة كانت قد دخلت بالفعل إلى ملاعبنا، وحقولنا، ومدارسنا، وبيوتنا، وسمائنا. دخلت حين فقد طفلٌ في غزة ساقه، ومعها حلمه بأن يركض يومًا من جديد. ودخلت حين دُمِّرت مئات المنشآت الرياضية، وتحطّمت معها فكرة المستقبل ذاته: اللعب، والمنافسة، والحياة.
يُطلب منا ألا نُسيّس المساعدات. لكن في فلسطين، تحوّلت المياه والغذاء والدواء إلى أدواتٍ للحصار والقتل ضد شعبٍ بأكمله. ما كان ينبغي أن يجسّد القيم الإنسانية، جرى تسخيره كأداة هيمنة وتفوق، تُستخدم لاقتلاع شعبٍ أصيل من أرضه.

يُطلب منا ألا نُسيّس القانون الدولي، أي بمعنى اخر أن نقبل تطبيقه الانتقائي حين يتعلق بحقوقنا. يُطلب منا احترام الإجراءات، بينما تُؤجَّل أو تُفرَّغ من مضمونها أو تُهمل حين تقود إلى المساءلة. ويُطلب منا الإيمان بنظامٍ قائم على القواعد، بينما تُلوى قواعده وتُحجب حماياته.

قيل إن "قوس الكون الأخلاقي طويل، لكنه ينحني نحو العدالة". لكن الأقواس لا تنحني وحدها؛ بل يحنيها البشر، بالشجاعة، وبالمساءلة، وبرفض غض الطرف عن الظلم. واليوم هذا القوس مقيّد، تُبطئ انحناؤه الحصانة المطلقة من العقاب، وتشلّه المعايير المزدوجة، ويعيقه تطبيع الظلم.

نحن لا نعاني من نقص في المعلومات. فالحقائق موثقة، الصور لا يمكن إنكارها، والقانون واضح. لكن ما نعانيه هو أزمة وضوح أخلاقي.

لم يعد السؤال ماذا نعرف، فنحن  جميعًا نعرف ما يجب معرفته، بل السؤال ماذا نحن مستعدون أن نفعل بما نعرف.

وحتى يتم ايقاف الإفلات من العقاب، وتُفرض المساءلة، وتُصان الحقوق على قدم المساواة دون استثناء، وحتى تصبح حياة الفلسطيني وكرامته وحقوقه بذات الوزن والقيمة في أعين الأقوياء كما هي حياة وحقوق الإسرائيليين، فإن هذا القوس لن ينحني. سيظل معلقًا، مشدودًا بالصمت، وبالتردد، وبانعدام الافعال.

لذلك، فإن الخيار المطروح أمام العالم وقواه اليوم واضح وبسيط:
إما الاستمرار في إدارة الظلم، ومعه معاناة شعبٍ بأكمله. تنظيم هذه المعاناة، واحتواءها، وتبريرها، وأنسنتها.

أو تفكيك البُنى التي أنتجت هذا الظلم، وحمته، وسمحت له بالاستفحال، وإنهاؤها جملة وتفصيلا وإلى الأبد.