صدى نيوز - قبيل الجولة الثانية من المحادثات الأميركية الإيرانية المقررة في جنيف، الثلاثاء، لا تظهر مؤشرات واضحة على تغيير جوهري في مواقف الطرفين، ما يخفض سقف التوقعات بشأن إمكانية تحقيق اختراق يبدد مخاوف اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط قد تتطور إلى صراع إقليمي واسع.

الجولة تأتي برعاية عُمانية، بعد جلسة سابقة عقدت مطلع شباط/ فبراير في مسقط، وسط غياب أي إعلان رسمي عن طبيعة التنازلات التي تطالب بها واشنطن في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، مقابل إصرار طهران على التمسك بما تصفه حقوقها، مع تحذيرها من رد "موجع" إذا تعرضت لهجوم جديد.

في المقابل، يواصل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إرسال رسائل متناقضة. فهو يعلن تارة أن التوصل إلى اتفاق ممكن، ثم يستبعد بعد ساعات قليلة إمكانية إبرام اتفاق، ملقيًا اللوم على طهران، ومهددًا بعواقب وخيمة إذا وصلت المحادثات إلى طريق مسدود.

وفي معرض رده على سؤال بشأن تغيير النظام في إيران، قال ترامب إن ذلك قد يكون "أفضل ما يمكن أن يحدث"، وهو تصريح فُسر على نطاق واسع باعتباره مؤشرًا على هدف أوسع تسعى إليه واشنطن، لكن بأقل كلفة ممكنة.

ورغم الحشد العسكري الأميركي المتزايد في المنطقة، بما في ذلك إرسال مجموعة حاملة طائرات ثانية، تدعي الإدارة الأميركية أنها تفضّل الحل الدبلوماسي، لكنها في الوقت ذاته تكثف الضغط قبل جولة جنيف، في ظل رغبة ترامب في عدم التفاوض إلى ما لا نهاية.

استعداد إيراني للاتفاق... مشروط برفع العقوبات

من جهته، قال نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي)، إن إيران مستعدة للنظر في تقديم تنازلات إذا أبدت الولايات المتحدة استعداداً لمناقشة رفع العقوبات.

وأكد أن الكرة الآن "في ملعب أميركا لإثبات رغبتها في إبرام اتفاق"، مضيفاً: "إذا كانوا صادقين، فأنا متأكد من أننا سنكون على الطريق الصحيح نحو اتفاق".

وأوضح أن الجولة الثانية في جنيف "تسير في اتجاه إيجابي إلى حد كبير، لكن من السابق لأوانه الحكم عليها"، مشيراً إلى أن إيران ستتوجه إلى المحادثات "على أمل التوصل إلى اتفاق"، ومشدداً: "سنبذل جهدنا، لكن على الطرف الآخر أيضاً أن يثبت صدق نياته".

وكشف أن عرض طهران تخفيف نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60% يعد دليلاً على استعدادها للتنازل، قائلاً: "نحن على استعداد لمناقشة هذا الأمر وغيره من القضايا المتعلقة ببرنامجنا إذا كانوا مستعدين لمناقشة العقوبات"، من دون أن يؤكد ما إذا كان ذلك يشمل رفع جميع العقوبات أو جزءاً منها.

وفي ما يتعلق بإمكانية نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد كما جرى في اتفاق 2015، قال: "من السابق لأوانه التكهن بما سيحدث خلال المفاوضات".

وشدد على أن إيران تشترط حصر المفاوضات في الملف النووي، مضيفُا: "نفهم أنهم توصلوا إلى قناعة بأنه إذا أردتم التوصل إلى اتفاق، فعليكم التركيز على القضية النووية".

واعتبر أن مطلب "التخصيب الصفري" يمثل "خطًا أحمر"، مؤكداً أن "مسألة التخصيب الصفري لم تعد مطروحة، وبالنسبة إلى إيران فهي ليست على الطاولة"، في تناقض مع تصريح ترامب الذي قال: "نحن لا نريد أي تخصيب".

كما جدّد رفض بلاده مناقشة برنامج الصواريخ الباليستية، قائلاً: "عندما تعرضنا لهجوم من الإسرائيليين والأميركيين، أنقذتنا صواريخنا، فكيف لنا أن نقبل حرمان أنفسنا قدراتنا الدفاعية؟".

وأعرب عن قلقه من الرسائل الأميركية المتضاربة، قائلاً: "نسمع أنهم مهتمون بالمفاوضات. لقد صرحوا بذلك علنًا، وفي محادثات خاصة عبر عُمان، أعربوا عن رغبتهم في حل هذه المسائل سلميًا"، لكنه أشار إلى أن تصريحات ترامب الأخيرة بشأن تغيير النظام تثير الشكوك.

وفي ما يتعلق بالحشد العسكري الأميركي، حذر من أن أي حرب جديدة ستكون "مؤلمة، وسيعاني الجميع، وبخاصة أولئك الذين بدأوا هذا العدوان"، مضيفاً: "إذا شعرنا أن هذا تهديد وجودي، فسنرد وفقًا لذلك". وتابع: "ليس من الحكمة حتى التفكير في مثل هذا السيناريو الخطير للغاية، لأن المنطقة بأكملها ستغرق في الفوضى".

في المقابل، قال مسؤول أميركي إن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف تحدث الأسبوع الماضي إلى وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، ونقل له رسائل بشأن المحادثات النووية لإيصالها إلى الإيرانيين.

وذكر موقع "أكسيوس" أن الوزير العُماني أعد وثيقة استنادًا إلى مكالمته مع ويتكوف، وسلمها إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني خلال زيارته إلى مسقط الثلاثاء الماضي، وهو ما أكده لاريجاني في مقابلة مع التلفزيون الإيراني الرسمي.

وفي السياق ذاته، لفت التقرير إلى أن ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، اتفقا خلال اجتماعهما في البيت الأبيض على زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، خصوصًا في ما يتعلق بمبيعات النفط إلى الصين، التي تستورد أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية، في خطوة يُعتقد أنها قد تدفع طهران إلى تقديم مزيد من التنازلات.

وتشير تقارير إلى أن حملة "الضغط القصوى" ستُنفذ بالتوازي مع المحادثات النووية والحشد العسكري المستمر تحسبًا لاحتمال فشل الدبلوماسية.

"العقبة الأبرز... أزمة الثقة"

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يرى محللون أن أزمة الثقة بين الجانبين تمثل العقبة الأبرز أمام إحراز تقدم فعلي، في وقت لا تخفي فيه إسرائيل رغبتها في إغلاق نافذة التفاوض وتنفيذ عمل عسكري واسع ضد إيران.

كما تطرح تساؤلات حول موقف تل أبيب في حال توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي دون التطرق إلى برنامج الصواريخ الباليستية، وما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستعتمدان سردية جديدة لتبرير أي تصعيد محتمل في تلك الحالة.

وبين الضغط العسكري المتصاعد، والتصريحات المتناقضة، واستعداد إيراني مشروط، تدخل مفاوضات جنيف مرحلة حساسة، حيث يتقاطع مسار الدبلوماسية مع حسابات الردع، وتبقى احتمالات الاتفاق أو المواجهة مفتوحة على حد سواء.