
تعلو أصواتٌ في إطار التحضير لانتخابات مجالس الهيئات المحلية، المزمع إجراؤها نهاية شهر نيسان/ أبريل القادم، لعقد اتفاقات بين العائلات والحمايل لتزكية قائمة توافقية في الهيئة المحلية؛ باختيار كل عائلة في الهيئة المحلية لمرشحيها بما يتفق على ما يبدو مع حجمها السكاني أو نفوذها المرتبط بالقوة الاقتصادية أو العسكرية أو السلطوية، بديلاً عن إجراء الانتخابات التنافسية بين القوى السياسية والاجتماعية فيها وحق المواطنين للاختيار بين البرامج.
هذا النمط من السلوك ينم عن الردة في المجتمع الفلسطيني؛ نحو العصبيات القبلية "العائلات والعشائر" بدلاً من التطور التاريخي للحياة السياسية في فلسطين على مدار أكثر من مائة عام على نشأة الأحزاب والقوى السياسية ومن ستين عام على انطلاق الثورة الفلسطينية ومن اثنين وثلاثين عاما على إنشاء الحكم الفلسطيني في الضفة وغزة القائم على "سيادة القانون" المجسم في القانون الأساسي الفلسطيني المعدل 2003، ونحو السلوك في الحياة العامة "الدولة" القائم على الخضوع لمتطلبات مصالح النفوذ القبلي بدلاً من المنافسة البرامجية للأحزاب والقوى الاجتماعية المدنية، ونحو تربية سياسية لأفراد المجتمع تتنافى مع قواعد وأركان الدولة الديمقراطية ومع القانون الذي تضعه المؤسسة السياسية القائمة.
إنّ القائمة التوافقية التي يروج لها بالمطلق تخالف حق المواطنين "الأفراد" من المشاركة في اختيار ممثليهم في الحكم "مجلس الهيئة المحلية"؛ لانتهاكها أحكام المادة 9 من القانون الأساسي التي تنص على مساواة المواطنين أمام القانون، وأحكام المادة 26 من القانون الأساسي التي تتيح للفلسطينيين حق المشاركة في الحياة السياسية أفراداً وجماعات ولهم على وجه الخصوص "التصويت والترشيح في الانتخابات لاختيار ممثلين منهم يتم انتخابهم بالاقتراع العام وفقاً للقانون". وكذلك أحكام المادة 2 من القرار بقانون رقم 23 لسنة 2025 انتخاب مجالس الهيئة المحلية وتعديلاته التي نصت على أن الحق شخصي للفلسطيني، الذي أتم الثامنة عشر عاما ومقيما في الهيئة المحلية المشاركة في الانتخابات، والترشح لمن أتم 23 عاما وفقا لأحكام المواد المحددة للترشح وبخاصة المادة 14 التي أشارت إلى أنْ الترشح سيكون فردياً في المجالس القروية وليس عبر قوائم.
ولا تكتفي الاتفاقيات الجارية بالمخالفة الدستورية وقواعد القانون بل بتنصيب نفسها سلطة منع المواطنين من ممارسة حقهم؛ وذلك من منع وجود قوائم انتخابية منافسة أو التزام العائلات بمنع أبنائها من الترشح في الانتخابات، أي أنّ الاتفاق يمنح العائلة القوة الجبرية بديلاً عن الدولة ومؤسساتها مما يفقد الدولة شرعية امتلاكها وحدها هذه الشرعية أو أنّ الدولة ومؤسساتها الرسمية في هذه الحالة تقبل بوجود شريك منافس لها بامتلاك هذه الشرعية. كما تشير هذه الاتفاقات إلى تخلي الفصائل الوطنية والإسلامية عن مكانتها وجوهر وجودها؛ القائم على تنظيم وتأطير المواطنين في برامج سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية، عند تصديقها أو رعايتها للقوائم التوافقية لصالح العائلات والمفهوم القبلي للقوة والنفوذ في الهيئات المحلية التي تقيم فيها.
في ظني إنّ مخالفة القانون من قبل الأفراد أو المجموعات قد يحصل. لكن واجب الدولة يمنع التخلي عنه من قبل مؤسساتها؛ فهي مجبرة على الالتزام بالمساواة بين المواطنين المنصوص عليها في المادة 9 من القانون الأساسي، وممارسة حقهم كما جاء في المادة 26 منه، وكذلك أحكام القرار بالقانون رقم 23 لسنة 2025 وتعديلاته. وهي بذلك محمولة على إجراء الانتخابات في كل الهيئات المحلية بغض النظر إنْ كان هناك قوائم توافقية أو تنافسية، وعلى الامتناع عن القبول بما يسمى بالتزكية لمخالفة قاعدة آمرة بحق المواطنين باختيار ممثليهم في مجلس الهيئة المحلية بالانتخاب وجوباً. الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في القرار بقانون رقم 23 لسنة 2025 باتجاه إضافة نص جديد يحدد آلية فوز الأشخاص والقوائم في حال عدم وجود قوائم أو عدد من الأفراد يتيح التنافس في الانتخابات المحلية بالحصول على نسبة لا تقل عن 50% من عدد الناخبين المسجلين في السجل الانتخابي للهيئة المحلية؛ لضمان حق المواطنين في ممارسة حقهم بالانتخابات، وبالمساواة أمام القانون.