
حين يخرج وزير المالية الفلسطيني ليقول إن عام 2026 سيكون الأصعب منذ تأسيس السلطة وإن الرواتب التي تُدفع بنسبة 60% قد لا تكون مضمونة فهذه ليست عبارة عابرة في مؤتمر صحفي بل إنذار حقيقي يمسّ حياة مئات آلاف الأسر و خلف هذه النسبة يقف نحو 172 ألف موظف مدني وعسكري لا يواجهون تأخرا ماليا فقط بل حالة قلق يومي مفتوح على المجهول : كيف تُسدّد الأقساط؟ كيف تُدفع الفواتير؟ وكيف تستمر الحياة حين يتحول الراتب من حق ثابت إلى احتمال مؤجل؟ و بعد ذلك من يضمن استمرار عمل الوزارات والسفارات والهيئات؟.
الموظف الفلسطيني لم يكن يوما سبب الأزمة لكنه يتحمل عبئها الأكبر يُطلب منه الالتزام بكل واجباته القانونية والمالية كاملة فيما لا يحصل إلا على جزء من دخله و تُطالبه البنوك بأقساطها وشركات الخدمات بفواتيرها والقوانين برسومها وكأن راتبه لم يُمسّ و يصبح المواطن محاصرا بين التزاماته من جهة وحكومة عاجزة عن الوفاء بوعودها من جهة أخرى في معادلة ظالمة لا يمكن أن تستمر طويلًا دون آثار اجتماعية ونفسية عميقة.
صحيح أن جزءا من المشكلة داخلي ويتعلق بسنوات من ضعف الكفاءة الإدارية وتضخم الجهاز البيروقراطي وتعيينات لا تقوم دائما على الخبرة والكفاءة كانت و لا زالت وكأن الحكومة لا يعنيها معالجة الأزمة إلى جانب ذلك هناك ازدواجية في المؤسسات وهدر في المصروفات وامتيازات عليا لا تتناسب مع واقع الخزينة .
لكن اختزال الأزمة في سوء الإدارة وحده يُغفل الصورة الأوسع فالاقتصاد الفلسطيني يعمل أصلا في بيئة مشوّهة ومقيدة إذ تعتمد الإيرادات العامة إلى حد كبير على أموال المقاصة التي تتحكم بها إسرائيل وأوقفتها كاملة وتقتطع منها ما تشاء وفق حسابات سياسية بينما تخضع الحركة التجارية والحدود والمعابر لقيود تحدّ من الاستثمار وتضعف الإنتاج المحلي وتجعل أي هزة سياسية تتحول فورا إلى أزمة مالية خانقة.
وفوق كل ذلك جاءت الحرب المدمرة على قطاع غزة لتضيف عبئا هائلا لا يمكن تجاهله فالدمار الذي طال المستشفيات والمدارس والجامعات والطرق وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي لا يمثل مأساة إنسانية فحسب بل فاتورة إعادة إعمار ضخمة ستحتاج إلى سنوات طويلة ومليارات الدولارات وفي الوقت نفسه لا توجد سيطرة فعلية على الإيرادات الضريبية أو الجمركية من القطاع ما يعني غياب الدخل مقابل تضخم الالتزامات و هكذا تجد السلطة نفسها أمام معادلة قاسية: مسؤولية أخلاقية ووطنية لإعادة بناء ما دُمّر مقابل خزينة تعجز أصلا عن دفع الرواتب كاملة لذلك فإن أزمة الرواتب ليست مجرد خلل محاسبي أو نقص سيولة مؤقت بل نتيجة مباشرة لبنية اقتصادية تعيش تحت ضغط الاحتلال والحصار والحروب المتكررة ما يجعل الاستقرار المالي هشا بطبيعته.
ومع ذلك فإن صعوبة الظروف لا تعني غياب الخيارات كما قيل فهناك مساحات حقيقية للإصلاح إن توفرت الإرادة يمكن البدء باستثمار الخبرات الوطنية المتراكمة.
لا نريد موظفا يحصي ساعات الدوام بل مناضلا منتميا يبدع ويصمد ويتقدّم الصفوف ويتحمّل ثمن قراراته الجريئة التي تخدم شعبه و بدل التوسع في التعيينات المكلفة وغير المنتجة يمكن الاستفادة من الكفاءات المتقاعدة بعقود مرنة تسد الفجوات في التعليم والصحة دون أعباء إضافية ويمكن للشفافية المالية الكاملة أن تتحول إلى أداة إنقاذ عبر نشر المصروفات العامة تفصيليا وتمكين المواطنين من مراقبة أوجه الإنفاق لأن ما يُكشف للناس يصعب هدره كما يمكن حماية الموظف من دوامة الديون من خلال آليات تقاص عادلة تُخصم فيها التزاماته الأساسية مقابل مستحقاته حتى لا يتحول نقص الراتب إلى أزمات قانونية أو حرمان من خدمات أساسية لأسرته كالكهرباء والمياه ورسوم الجامعات والشيكات الراجعة وترخيص السيارات والرسوم الحكومية.
إعادة هيكلة الجهاز الإداري أصبحت ضرورة لا رفاهية بدمج المؤسسات المتشابهة ووقف التعيينات غير الضرورية وتقليص امتيازات الدرجات العليا قبل المساس برواتب الفئات الدنيا وتوجيه الموارد نحو الأولويات الحقيقية: الرواتب والصحة والتعليم وفي الوقت نفسه ينبغي تمكين مؤسسات الرقابة ومكافحة الفساد من العمل باستقلالية كاملة لاسترداد الأموال المنهوبة ومساءلة أي مسؤول لأن العدالة المالية شرط لاستعادة الثقة العامة.
غير أن خفض النفقات وحده لا يكفي فالإصلاح الحقيقي يبدأ أيضا من جانب الإيرادات عبر توسيع القاعدة الضريبية بعدالة ومحاربة التهرب الضريبي الكبير ورقمنة الجباية وتشجيع الإنتاج المحلي بدل الاعتماد المفرط على الاستيراد كما أن تنويع مصادر الدخل لم يعد خيارا مؤجلا فالاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد وشركات البرمجيات والزراعة الحديثة والطاقة الشمسية والصناعات الصغيرة يمكن أن تخلق فرص عمل وتدخل عملة صعبة دون تحميل الموازنة أعباء جديدة وفي المقابل يجب تجنب حلول متسرعة قد تبدو سهلة لكنها مدمرة مثل التأميم الشامل أو بيع الأصول الاستراتيجية عشوائيا أو هزّ النظام المصرفي بقرارات غير مدروسة لأن هذه الخطوات قد تعمّق الأزمة بدل حلها.
في النهاية المسألة لم تعد مجرد راتب متأخر أو نسبة منقوصة بل مسألة ثقة بين المواطن ومؤسساته أو انهيار شامل للسلطة الوطنية و حين يفقد الموظف الأمان الوظيفي يفقد المجتمع استقراره وحين تتعطل الرواتب تتعطل الأسواق والمدارس والمستشفيات معا و إن إنقاذ رواتب الموظفين ليس امتيازا لفئة بل حماية للاقتصاد الوطني والسلم الاجتماعي ومستقبل المشروع الوطني بأكمله الوقت لا يحتمل مزيدا من المماطلة والقرارات التي تُتخذ اليوم ستحدد ما إذا كنا نسير نحو تعاف تدريجي يعيد بناء الدولة على أسس الكفاءة والعدالة أم نحو انهيار بطيء تتآكل فيه الخدمات والثقة عاما بعد عام. الموظف الفلسطيني لم يكن يوما المشكلة لكنه قد يكون أول ضحايا تجاهلها وإذا سقط الموظف سقطت معه مؤسسات الدولة كلها.