ما يجري في الضفة الغربية لم يعد احتلالا بالمعنى التقليدي ولم يعد نزاعا سياسيا قابلا للتفاوض ولم يعد “عملية سلام متعثرة” فلنسمِّ الأمور بأسمائها ان ما يحدث هو ضم تدريجي منظم للأرض الفلسطينية يجري تحت غطاء دولي وصمت عربي وحماية أمريكية كاملة.

إسرائيل لم تعد تدير الصراع لقد قررت حسمه ، قرارات الكابينت الأخيرة ليست تفاصيل إدارية بل خطوات سيادية صريحة نقل صلاحيات من السلطة الفلسطينية و توسيع المستوطنات و تسهيل مصادرة الأراضي و فرض القوانين الإسرائيلية على الأرض المحتلة وتحويل الإدارة المؤقتة إلى سيطرة دائمة هذه ليست إجراءات أمنية بل إعلان عملي بأن الضفة الغربية تُعامل كجزء من الدولة الإسرائيلية.

أي حديث بعد ذلك عن “حل الدولتين” يصبح مجرد خدعة سياسية فلا دولة يمكن أن تقوم فوق أرض تُسرق يوميا لكن هذا الواقع لم يأتِ بعد رفض فلسطيني للسلام بل بعد مسار سياسي هو الأكثر اعتدالا في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.

قبل أكثر من ثلاثين عاما اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل رسميا وقبلت بدولة على 22% فقط من أرض فلسطين التاريخية ودخلت في مفاوضات طويلة وبنت سلطة انتقالية على أمل أن تتحول إلى دولة مستقلة و كان الرهان واضحا الاعتراف والتفاوض والدبلوماسية بدل المواجهة وقيل للفلسطينيين إن الاعتدال سيُكافأ وفق ضمانات دولية .
وخلال السنوات الأخيرة تصاعدت المطالب أكثر طُلب من السلطة الفلسطينية قطع مخصصات أبطالها من الأسرى و عائلاتهم هؤلاء الذين قاموا الاحتلال وفق القانون الدولي  فقطعت و طُلب منها تعديل المناهج التي  تتحدث عن الحقوق الفلسطينية و الرواية الفلسطينية فعدّلت و طُلب منها خفض خطابها السياسي ففعلت وطُلب منها إدانة أحداث السابع من أكتوبر صراحة فأدانت قدّمت كل ما يمكن أن يقدمه طرف يراهن على الحل السياسي.

لكن ماذا كان المقابل؟ لا شيء حيث لم يتوقف الاستيطان و عربدات المستوطنين و حرق القرى و اقتلاع الاشجار و لم تتوقف المصادرات و لم تتراجع السيطرة العسكرية بل تضاعف عدد المستوطنين إلى أكثر من 800 ألف داخل الأرض المفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية و بكل وضوح التنازلات تراكمت… والاحتلال ترسّخ.

وفي المقابل لم يُطلب من إسرائيل أي التزام مماثل لم يُطلب من إسرائيل الاعتراف بدولة فلسطين و لم يُطلب منها وقف الاستيطان كشرط للمفاوضات و لم تُربط مساعداتها العسكرية بالقانون الدولي و لم تُفرض عليها عقوبات أو مساءلة و لم يُطالبها أحد بمراجعة خطابها أو مناهجها أو إعلامها الذي يشيطن الفلسطينيين يوميا .

وخلال الحرب الأخيرة على غزة دُمّرت أحياء كاملة واستُهدفت مدارس ومستشفيات وجامعات وفُرض الحصار والتجويع على السكان لمدة زادت عن 18 عاما في مشاهد وصفتها منظمات حقوقية دولية بأنها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني ومع ذلك استمر الدعم السياسي والعسكري الأمريكي و الأوربي كما هو و هكذا تصبح المعادلة فاضحة طرف واحد فقط يُطالَب دائما  بإثبات حسن النية وطرف واحد فقط يتمتع بحصانة كاملة مهما فعل لكن الأخطر أن إسرائيل لا تفعل ذلك وحدها الولايات المتحدة التي تدّعي رعاية السلام منذ ثلاثة عقود لم تكن يوما وسيطا نزيها بل شريكا سياسيا كاملا و هنا نسأل كيف يكون الوسيط هو الممول العسكري الأكبر لإسرائيل؟ كيف يكون الضامن للسلام هو من يستخدم الفيتو لحمايتها من أي مساءلة؟ واشنطن لا تمنع الضم و لكنها توفر له المظلة و الحماية  و لا توقف الاستيطان تحميه دبلوماسيا و لا تفرض القانون الدولي بل تعطل تطبيقه الرسالة  الأمريكية لإسرائيل واضحة: افعلوا ما تريدون على الأرض ونحن نتكفل بإسكات العالم و دعمكم ماليا و عسكريا و إعلاميا .

أما مجلس الأمن الذي يُفترض أنه حارس السلم الدولي فقد تحول إلى مسرح سياسي فارغ بيانات قلق لا توقف جرافة ولا تمنع مصادرة متر واحد من الأرض الاعتماد عليه وحده لم يعد سياسة بل وهم.

فأين رعاة أوسلو؟ أين الدول التي وعدت الفلسطينيين بدولة خلال خمس سنوات؟
أين الضمانات؟ بعد ثلاثة عقود لم تولد دولة فلسطينية لكن الاستيطان تضاعف مرات عديدة، إذا كانت الرعاية لا تمنع نسف الاتفاقيات فهي ليست رعاية بل غطاء لإدارة الوقت حتى تُفرض الوقائع بالقوة.

وسط كل ذلك لا يمكن الاستمرار في إدارة سلطة محدودة الصلاحيات تحت سيطرة الاحتلال وكأن العملية السياسية ما زالت حيّة و هذا لم يعد براغماتية بل استنزاف سياسي.

المطلوب الآن تغيير قواعد اللعبة من خلال تدويل الصراع قانونيا  بلا تردد و ملاحقة جرائم الحرب و الابادة و الاستيطان في المحاكم الدولية و فرض كلفة اقتصادية وسياسية على المستوطنات و مراجعة العلاقة الوظيفية مع الاحتلال وإنهاء الانقسام الداخلي و باختصار الانتقال من إدارة الواقع إلى مقاومة الواقع سياسيا وقانونيا فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تنتظر حريتها و السلام لا يُمنح من قوة احتلال والحقوق لا تُستعاد عبر الرعاية الأمريكية ومن لا يدفع ثمنا سياسيا لن يتراجع خطوة واحدة.

ما يحدث اليوم ليس تعثّرا لعملية السلام بل يتم دفنها و بشكل يومي أمام أعين العالم.

ولهذا لم يعد السؤال هل ستقوم دولة فلسطينية؟

السؤال الحقيقي هو كم سيستمر العالم في الصمت و حماية الضم… وكم سيستمر الفلسطينيون في انتظار سلام وهمي لا ينوي أحد منحه لهم؟ وكم هي الفترة المضمونة لمنع الانفجار محليا و اقليما و دوليا .