لم يعد حجم المساعدات التي تصل إلى الاقتصادات الهشة هو التحدي الحقيقي، بل قدرتها على التحول إلى استثمار إنتاجي يخلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة. فالتجربة المتراكمة خلال العقود الماضية تثبت أن التمويل وحده لا يبني اقتصادًا، بل قد يطيل دورة الاعتماد إذا لم يُصمَّم ضمن إطار إنتاجي واضح.

السؤال لم يعد: كم حجم الدعم الذي يصل؟
السؤال الأكثر إلحاحًا أصبح: كيف ننتقل من نموذج “الدافع” إلى نموذج “الشريك”؟ أو بلغة الاقتصاد التنموي الحديثة، كيف يتحول المانح من ممول (Payer) إلى شريك استثماري (Player)؟

النموذج التقليدي للمساعدات يقوم على تمويل نشاط محدد، تُقاس نتائجه بمستوى الصرف والالتزام الإجرائي، وينتهي المشروع بانتهاء التمويل. هذا النموذج كان مفيدًا في سياقات الطوارئ، لكنه أثبت محدوديته عندما يتعلق الأمر ببناء اقتصاد منتج قادر على خلق وظائف مستدامة. لقد شهدنا العديد من المبادرات التي ركزت على التدريب أو الدعم الفني أو التمويل الصغير، لكنها بقيت في كثير من الأحيان مشاريع قصيرة العمر، تبدأ مع وصول التمويل وتتوقف عند انقطاعه.

المشكلة ليست في النوايا، بل في تصميم العلاقة بين الداعم والاقتصاد المحلي. فعندما يبقى الداعم في موقع “المموّل”، فإنه يتحمل مخاطر محدودة ويبحث عن نتائج سريعة قابلة للقياس الإداري. أما عندما يتحول إلى “شريك”، فإنه يصبح مستثمرًا في النتيجة، يشارك في تحمل المخاطر، ويهتم ببناء منظومة قادرة على الاستمرار بعد انتهاء المشروع.

في السياق الفلسطيني، تتضاعف أهمية هذا التحول. اقتصاد يعمل تحت قيود سياسية ومالية مركبة لا يمكن أن يعتمد إلى ما لا نهاية على منح تشغيلية قصيرة الأجل. هذا النمط يحد من القدرة على التخطيط الاستثماري طويل المدى، ويُبقي القطاع الخاص في حالة انتظار دائم لبرامج الدعم بدل المبادرة الإنتاجية.

إعادة تصميم الدعم لا تعني تقليله، بل تعني تعظيم أثره. فالتجارب الدولية تشير إلى أن كل دولار يُستخدم ضمن آليات التمويل المختلط قادر على تعبئة ما بين ثلاثة إلى سبعة دولارات من رأس المال الخاص، بحسب القطاع ومستوى المخاطر. كما أن ربط التمويل بنتائج قابلة للقياس—مثل عدد الوظائف المستدامة أو حجم الاستثمار المحفَّز—يرفع كفاءة استخدام الموارد ويحد من الهدر المؤسسي.

في الحالة الفلسطينية، حيث تتدفق مليارات الدولارات سنويًا عبر تحويلات الشتات، فإن توجيه نسبة محدودة من هذه التدفقات نحو أدوات استثمارية منظمة يمكن أن يولّد رأس مال إنتاجي قادر على تمويل مئات المشاريع الصغيرة والمتوسطة وخلق آلاف فرص العمل.

هنا يبرز دور تحالف استثماري عملي يجمع بين الجهات المانحة والقطاع الخاص وصندوق الاستثمار الفلسطيني كمؤسسة استثمارية وطنية تمتلك خبرة في إدارة المحافظ والدخول في شراكات طويلة الأجل. وجود جهة وطنية قادرة على لعب دور “المستثمر المرساة” ضمن نماذج التمويل المختلط يخفّض مخاطر المستثمرين الآخرين ويحفّز تدفق رأس المال نحو القطاعات الإنتاجية.

كما يمكن لهذا النوع من الشراكات أن يوفّر منصة عملية لتجميع رأس المال المحلي ورأس مال الشتات ضمن أدوات استثمارية شفافة، تربط المنح الدولية باستثمارات حقيقية مولِّدة للوظائف والقيمة المضافة.

لكن نجاح هذا التحول لا يعتمد على مؤسسة واحدة فقط. الحكومة والجهات التنظيمية مطالبة بتطوير قائمة واضحة من المشاريع القابلة للاستثمار مدعومة ببيانات جدوى شفافة، وبأطر حوكمة تعاقدية تعزز ثقة المستثمرين. كما أن توفير حوافز ضريبية موجهة للاستثمارات الإنتاجية المشتركة يمكن أن يشجع دخول رأس المال المحلي والخارجي.

في المقابل، يلعب الجهاز المصرفي دور المُمكّن المالي من خلال تصميم برامج تقاسم مخاطر مع الجهات المانحة، بما يسمح بتوسيع الإقراض الإنتاجي دون زيادة العبء على الموازنات العامة. كذلك، فإن تطوير أدوات رقمية تمكّن استثمار الشتات بمبالغ صغيرة ومتوسطة يمكن أن يحوّل التحويلات من دعم استهلاكي إلى رأس مال استثماري.

القطاع الخاص المحلي بدوره يجب أن يكون شريكًا منذ مرحلة تصميم البرامج، لا مجرد منفذ لها. المشاريع التي تُصمَّم دون مشاركة السوق غالبًا ما تنتج مخرجات لا تجد طلبًا فعليًا.

التحول من “الدافع” إلى “الشريك” يعني أيضًا تغيير مؤشرات النجاح. لم يعد عدد الأنشطة المنفذة أو حجم الإنفاق معيارًا كافيًا. المعيار الحقيقي هو عدد الوظائف المستدامة التي تم خلقها، وحجم الاستثمار الذي تم تحفيزه، ونسبة بقاء المشاريع بعد عدة سنوات.

اقتصاد يعتمد على الدعم وحده سيظل عرضة للتقلبات السياسية والمالية. أما اقتصاد تُبنى فيه شراكات قائمة على تقاسم المخاطر والمصالح، فسيكون أكثر قدرة على الصمود والنمو.

التنمية ليست عملية تمويل، بل عملية بناء منظومة إنتاجية. وعندما يتحول كل دولار دعم إلى رافعة استثمارية مرتبطة بنتيجة اقتصادية قابلة للقياس، تتحول العلاقة من اعتماد مؤقت إلى شراكة استراتيجية تبني مستقبلًا اقتصاديًا أكثر قدرة واستدامة.